لا زمنَ إلّاك: لأنكَ الإنسان كله
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
ما مرّ عامان. هذا وهمُ العادّينَ وحسابُ الغافلين.
فمثلكَ لا يُؤرّخُ غيابهُ بالتقويم، ولا يُقاسُ فراقهُ بدورانِ الفلك. أنتَ لستَ حدثاً مرَّ وانقضى، بل أنتَ الإنسانُ الذي أوقفَ الزمنَ عندَ عتبته. إنَّ الساعةَ منذُ تلكَ الليلةِ الفاجعةِ لم تتحركْ، بقيتْ مسمّرةً هناك، عندَ برهةِ الترقبِ المذهول، والأنفاسِ المحبوسةِ، والعيونِ المصلوبةِ على سماءِ الضاحيةِ تنتظرُ أن يطلَّ وجهكَ ولو طيفاً.
وكيفَ لا تذوبُ الأرواحُ في محبتك، وأنتَ الذي جمعَ اللهُ فيكَ ما فرّقَ في الرجالِ من كمالات؟ كنتَ مجمعَ المتناقضاتِ التي ائتلفتْ: بأسُ الليثِ ورقّةُ النسيم، سطوةُ السيفِ وحنانُ الغيث، زهدُ الأنبياءِ ودهاءُ القادة. كنتَ للضعفاءِ حصناً، وللفقراءِ كنزاً، وللمظلومينَ سيفاً، وللحيارى بوصلة.
يا نصرنا بعدَ أنْ تكسّرتْ سيوفنا قروناً، ويا عزّنا بعدَ أنْ تمرّغتْ جباهنا في وحلِ الذلِّ دهوراً.
قبلَ طلتك، كانَ وجودنا العربيُّ سراباً، وكنا أمةً بلا أمة، جسداً بلا روح. منذُ أنْ غيّبَ الموتُ جمالَ عبد الناصر، أجدبتْ أرحامُ العروبة، فصارتِ الجماهيرُ هباءً تذروهُ رياحُ الدجالين، تتبعُ كلَّ ناعقٍ، وتسجدُ لكلِّ صنم.
كانَ سوقُ نخاسةٍ عظيم، يُباعُ فيهِ الدينُ والدنيا، واليمينُ واليسار، فالتقى الضدانِ تحتَ رايةِ البيتِ الأبيض، وتوحّدَ الكفرُ والإيمانُ المزيفُ في محرابِ الصهيونية. لم يبقَ أحدٌ إلا وسجد.
ثمَّ لاحَ من قمَّ نورُ اللهِ على يدِ الخميني، فشيّدوا حولهُ أسواراً من الظلماتِ، وأطلقوا عليهِ من صحراءِ نجدٍ كلابَ التكفيرِ وذئابَ الفتنةِ، كي لا يصلَ نورهُ إلى قلوبنا، وتآمرَ سماسرةُ النفطِ والعروشِ فباعونا في أسواقِ الرياضِ وواشنطن بثمنٍ بخس.
حتى أشرقتَ أنتَ من قلبِ الظلمةِ فجراً لا يخبو.
فكنتَ للظامئينَ كوثراً، وللتائهينَ مناراً، وللموتى نفخةَ البعث. في يومِ تحريرِ الجنوبِ، سنةَ الألفين، لم تحررْ أرضاً فقط، بل حررتَ الإنسانَ العربيَّ من داخله، فاغتسلَ بماءِ كرامتكَ، واستعادَ تاريخهُ المسروقَ من متاحفِ القصور. جعلتَ من عاشوراءَ خطةَ عملٍ لا قصةَ نياح، ومن كربلاءَ جغرافياً تسكنها لا ذكرى تبكيها. وفي تموزَ، كتبتَ بدمِ رجالكَ شهادةَ وفاةِ زمنِ الهزائمِ وشهادةَ ميلادِ زمنِ الانتصارات.
وكيفَ لا تبكيكَ العيونُ دماً، وأنتَ الفردُ الذي اختصرَ الأمة، والحيُّ الوحيدُ في مقبرةِ الأموات؟ وما عداكَ غثاءٌ، أشباهُ رجالٍ، دُمىً محشوةٌ بالتبن، تعيشُ خارجَ التاريخِ، تقتاتُ على موائدِ الأجنبيِّ، وتتغذى على ذلِّ العبودية.
فإذا نهرها حرٌّ: أما من بقيةِ كرامة؟ فرّتْ إلى الماضي تستجيرُ به، إلى ماضٍ معظمهُ خرافةٌ ودجلٌ وتقديسٌ للجلادين، وإلى عصبيةٍ نتنةٍ وفقهٍ أعمى يفجّرُ الحاضرَ ويحرقُ المستقبل.
أما رأيتهم كلما أحرقتْ آلةُ الإبادةِ الصهيونيةِ غزة، تركوا القدسَ خلفَ ظهورهم، وراحوا يفتشونَ عن صدرٍ شيعيٍّ يطعنونَهُ، وعن مجلسٍ حسينيٍّ يحرقونه؟ صارَ المحتلُّ الغاصبُ عندهم ولياً حميماً، وصارَ أخوهم في الدمِ والقبلةِ عدواً لدوداً.
لهذا يكرهونك.
يكرهكَ المهزومُ لأنكَ مرآةُ هزيمته، ويبغضكَ الخائنُ لأنكَ كاشفُ خيانته. إنَّ اسمكَ محكٌّ، ومحكمةٌ، ومفرقُ طريق. لا حيادَ أمامك، فالناسُ بكَ فسطاطان: فسطاطُ الكرامةِ وفسطاطُ العار. وإنَّ جباهَ الأراذلِ لتكتوي بمجردِ ذكركَ، وجلودهم المعبأةِ بالخزيِ لترتجفُ كلما مرَّ طيفك.
وسرُّ خلودكَ أنكَ لم تكنْ زعيماً يتعالى على الناس، بل كنتَ الناسَ أنفسهم. ما أغلقتَ بابكَ في وجهِ مظلوم، ولا أخرتَ حاجةَ ملهوف، حتى وأنتَ تحتَ أزيزِ الطائراتِ وقصفِ المدافع، كنتَ معهم، تسمعُ أنينهم وتقضي حوائجهم، لأنكَ كنتَ ترى أنَّ الأمةَ ليستْ جمهورك، بل هي روحكَ ودمكَ الذي يجري في عروقك.
يا من جمعتَ نهجَ عليٍّ وثورةَ الحسين: إنَّ مثلكَ لا يموت.
أنتَ باقٍ، شمساً لا تغيب، وميداناً لا يُهزم، ووعداً لا يُخلف. الليالي والأيامُ صحائفكَ، والمستقبلُ مدادكَ، فاكتبْ عليها جميعاً: ولّى زمنُ الهزائمِ وجاءَ زمنُ نصرِ الله.
يا نصرنا الأزلي.. إلى اللقاء في الشهادة؛ في لقاء الأحبة؛ في انتصار الدمِ على السيف.

أترك تعليقاً

التعليقات