مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
حين نقف طويلاً أمام «تاريخ الرسل والملوك» لمحمد بن جرير الطبري، فإننا نقف وقفةَ المصاب بالذهول، مما احتواه هذا الكتاب من أسس ومنطلقات تم بموجبها الحفاظ على كل شيء ما عدا الحقيقة! هذه ليست موسوعة إخبارية فحسب، ولا سجلاً زمنياً مجرداً؛ بل نجد أمامنا مشروعاً سلطوياً ضخماً في «هندسة الذاكرة»، مشروعاً قصد -بوعي أو بغير وعي- صياغة وعي جديد للأمة، بالمستوى الذي يجعلها في حالة موات دائم، فلا حس اجتماعي، ولا روح ثورية. كل ذلك جرى وفق معادلة دقيقة تتحدد بمقتضاها حدود المسموح به من التذكر، والمفروض إسقاطه من الرواية، وما ينبغي إعادة تأويله ليظل متسقاً مع البنية العامة للخطاب السائد من قبل السلطة.
وعليه، ندرك أنه ليس من قبيل المصادفة أن يسود هذا الكتاب على كل ما سبقه في مدونة التاريخ العربي. فالسبق الزمني لم يكن العامل الحاسم؛ إذ إن اليعقوبي والدينوري والمدائني وغيرهم سبقوا الطبري إلى التدوين. لكن الفرق الجوهري أن أولئك كتبوا «تاريخاً» بوصفه معرفة، بينما كتب الطبري «تاريخ الدولة» بوصفه مشروعاً سلطوياً. والفرق بينهما هو الفرق بين الوثيقة وبين الدستور، بين النقل المجرد وبين البناء المؤسس.

ثلاثية التأسيس.. لماذا انتصر تاريخ الطبري؟
يمكن إرجاع هيمنة تاريخ الطبري إلى ثلاثة عوامل متداخلة: العامل الأول هو: انحيازه إلى المركز السياسي والمذهبي؛ فقد كان اليعقوبي يكتب من هامش التشيع الإمامي، فأنتج نصاً حراً، لكنه ظل خارج «الذوق العباسي الرسمي»، وبالتالي ظل هامشياً رغم قيمته. أما الطبري فقد أدرك بحس الفقيه السياسي أن وظيفة المؤرخ في القرن الرابع الهجري لم تعد البحث عن الحقيقة المجردة، بل إدارة التوازنات الرمزية؛ فكتب تاريخاً يرضي السلطة دون إعلان صريح، ويراعي العامة دون استفزاز الخاصة، وينزه الجيل الأول دون أن يكذب صراحة... لقد صاغ التاريخ على مقاس المصلحة العليا للدولة، لا على مقاس الحقيقة المجردة.
العامل الثاني يتمثل في: التعدد المعرفي الذي تمتع به الطبري؛ فهو لم يكن مؤرخاً مهنياً فحسب، بل كان فقيهاً مجتهداً ومحدثاً وأصولياً وقاضياً. هذا التعدد منحه ثلاث أدوات حاسمة: من المحدثين استعار سلطة الإسناد، فألبس الأخبار السياسية درعاً من الرواة يمنحها هالة التوثيق؛ ومن الفقهاء استعار أصول الترجيح، فصار يختار بين الروايات المتعارضة لا وفق معيار الصحة أو الخطأ، بل وفق معيار أقلها ضرراً على وحدة الجغرافيا للدولة العباسية، لأن المطلوب هو استمرارية تدفق الخراج والجبايات على الحاكم العباسي، الذي قال ذات يوم مخاطباً السحابة: «امطري حيثُ شئتِ، فسوف يأتيني خراجك». هذا وحده كافٍ للدلالة على أن الناس أو المجتمع بمنظور هكذا سلطات لا قيمة لهم إلا بمقدار انتفاع القصر منهم! لهذا فالصحيح هو ما يضمن بقاء الملك، ولا ضير في التضحية بالحقيقة والمجتمع في سبيل ذلك. والطبري قاضٍ، ومن القضاء استعار منطق التحري، فظهر بوصفه قاضياً يقيم الحجة ويبرئ المتهم ويصدر الحكم على البريء. وهكذا تحول التاريخ عنده من مجرد جمع للأخبار والأحداث إلى أحكام وقوانين تسهم في الحفاظ على بنية الدولة، ومن نقل للحقيقة إلى قتلها وصناعة تاريخ متخيل يدحضها.
أما العامل الثالث فهو: الثراء المادي الذي تمتع به الطبري، بفضل ثروة موروثة من طبرستان، خلفها له والده، ما جعله أسير الخوف عليها. فإذا كان ثراؤه قد أغناه عن استجداء السلطة عطاءً، فإنه لم يمنحه هامش مناورة، لأن هذا الاستقلال المادي أنتج تبعية رمزية أشد خطراً. لقد كان يدرك أن بقاء كتابه وانتشاره مرهونان بالقبول البغدادي، أي: قبول الفقهاء والقضاة وقصر الخلافة. فاختار طريقاً ثالثاً: أن يساير السلطة في الكليات ويتحفظ في الجزئيات، وأن يقول كل شيء دون أن يقول شيئاً.

أنثروبولوجيا الكتابة الطبرية.. تقنيات الحذف والتجميل
لم يمارس الطبري الكذب المباشر، وإنما مارس ما هو أخطر، وهو «تهذيب الخبر». وقد ابتكر ثلاث تقنيات أساسية في ذلك: التقنية الأولى هي: التخفيف؛ فهو لا يحذف الخبر كلياً حتى لا يُتهم بالكتمان، ولا يورده كاملاً حتى لا يُتهم بإشعال الفتنة، وإنما يخففه ويطوقه. مثال ذلك: قصة العباس في بدر؛ فبدل أن يورد الرواية الأصلية التي تضعه في صف المشركين، قدم لها بحلم عاتكة وأعقبها بموقف أبي جهل، فنقل العباس من خانة المحارب إلى خانة المُكرَه المسالم؛ وهي عملية تجميل تاريخي مقصودة لرفع الحرج عن البيت العباسي الذي يستمد شرعيته من العباس.
التقنية الثانية هي: الانتقاء المذهبي؛ فقد أدرك الطبري تشظي الخارطة الفكرية للأمة، فكتب فضائل الإمام علي لاسترضاء التيار العلوي، وفضائل الشيخين لاسترضاء العامة، وشرع في فضائل العباس تقرباً للخليفة؛ لكنه لم يتم المشروع كله، لأن قاعدة اللعبة تقول إن من أراد إرضاء الجميع خسر الجميع؛ فبقي متأرجحاً في منطقة رمادية، لا هو مؤيد ولا هو معارض، بل حارس للتوازن الذي تفرضه المرحلة، كصمام أمان لدولة بني العباس.
التقنية الثالثة هي: الترحيل، وهي العبقرية القاتلة في مشروعه؛ إذ استطاع حل المعضلة، وإخراج السلف من أتون الفضيحة؛ وذلك لأنه وضع المحددات التي تجعل القرن الأول مطلق الخيرية، فلولاه لما عرف التلفيقيون كيف يمكن تبرير سفْك دماء على يد من سمَّتهم السلطات «الصحابة»، والذين قال القصر بعدالتهم وكمالهم؛ وعليه فسفك دماء بعضهم لبعض دون هدم قداسة الجيل الأول أمرٌ لا بد منه. فكيف فعل مؤرخنا العبقري؟
لقد وجد أن الحل لا يتأتى إلا باختراع شخصية مجهولة الأصل والسند قوية الوظيفة: عبد الله بن سبأ؛ الذي تم تحميله وزر الفتنة كلها، وتحول الصراع من أزمة بنيوية داخل السلطة إلى مؤامرة خارجية. وبهذا خرج القصر نقياً، وخرج الصحابة أبرياء، وخرج التاريخ مقدساً بالأكاذيب؛ لكننا دفعنا ثمناً باهضاً! نعم، كان الثمن هو تأسيس أسطورة حكمت الوعي الجمعي اثني عشر قرناً.

أترك تعليقاً

التعليقات