قدر اليمنا
 

ابراهيم الحكيم

إبراهيم الحكيم / لا ميديا -
تؤكد شواهد الحال ووقائع المآل، أن وهن اليمن عارض مفتعل لا كامن أصيل في اليمن. ليس لفشل إداراته وحكامه فقط، بل ولاحتدام تنافس قوى الهيمنة العالمية على مر العصور، وتنافسها على إيهان اليمن وإخضاعه لها احتلالا أو وصاية.
يحظى اليمن بعوامل قوة كامنة قد تعطلها حقب الوهن والتمزق والتفرق، لكنها لا تبطلها أو تمحوها. هذا ليس حديث أمنيات، بل تحديث لمعطيات واقعية وحقائق جيوسياسية وجيواقتصادية، جعلت من اليمن قوة إقليمية وعالمية لقرون عدة.
تجلى هذا واقعا تؤكده آثار الممالك اليمنية (سبأ ومعين وحمير وحضرموت وقتبان وأوسان) وأعرابهم (طودم وتهامة). وما دونته صحفها بخط «المسند» قلم اللغة السامية العربية الجنوبية، وما حكاه الله في كتبه السماوية زبورا وتوراة وصحفا وإنجيلا وقرآنا...
لقد خص خالق الكون هذه البقعة من العالم الواقعة يمين أول بيت أقيم للناس، بثلاث سور في محكم كتابه القرآن (الأحقاف، سبأ، النمل) عدا عشرات الأخبار في باقي سوره عن عظمة تاريخ أهل هذه البقعة من العالم وأمجادهم وبأس حضاراتهم.
انفرد اليمنيون وأهدوا البشرية أقدم أبجدية متكاملة حروفا وأصواتا، نحوا وصرفا، وأقدم أرقام، ومعارف وخبرات، علوما متراكمة في الفلك والنجوم، والقيافة والنيافة، والهبوب (الرياح)، والمعادن تعدينا وصياغة وصناعة، والزراعة والتهجين.
دفعت الحاجة اليمنيين وافتقاد اليمن أنهارا دائمة لابتكار هندسة حصاد مياه المطر والري، وحساب الوقت والزمن (التقويم السبئي والتقويم الحميري القمري والشمسي)، وبرعوا في هندسة العمارة، والملاحة والقوارب والأشرعة المثلثة.
تسيد اليمنيون التجارة العالمية، لانفرادهم بإنتاج وتصدير البخور والطيوب واللبان، أنفس سلع العالم القديم المعادلة اليوم للنفط ومشتقاته، بجانب سلع النسيج والمعادن، وتجارتهم بسلع توسطهم قارات آسيا وإفريقيا وأوروبا، وتداول العالم عملات اليمن.
تلك بعض مفردات الحضارة اليمنية لممالك اليمن القديمة قبل الميلاد بآلاف السنين وحتى منتصف الألف الأول بعد الميلاد، قبل أن يضطلع اليمنيون ببناء الدولة الإسلامية: جيشا وقضاة ومقرئين ودعاة وكتابا وحرفيين عمارين وحدادين ومزارعين... إلخ.
لا تعوز اليمن أي من عوامل القوة وتسيد الإقليم، وأن يعود حضارة كبرى وقوة عظمى عالميا. فقط ما يلزم اليمن أن يستعيد شرط الهبة الإلهية لتغدو منحة قوة ونعمة عزة، ممثلا في استعادة استقلاله التام وسيادته الكاملة على أراضيه ومياهه وأجوائه.
يبقى الثابت أن قدر اليمن أن يكون موقعه الجغرافي الجيوسياسي واقتصادي منحة قوة حال اتحاد أيدي قواه، ومحنة ضعف حال تفرقها. ذلك باختصار أبرز ما يُمكن أن تخلص إليه قراءة تاريخ اليمن والمنطقة، وحاضر اليمن والمنطقة الراهن أيضاً.

أترك تعليقاً

التعليقات