بيض وجهه
 

ابراهيم الحكيم

إبراهيم الحكيم / لا ميديا -
تؤكد وقائع تاريخ اليمن، القديم والوسيط والمعاصر، أن كفة الحاكم ظل يرجحها على منافسيه تبني وحدة اليمن وتوحيده كلما مزقته الصراعات والتدخلات الخارجية. وقد أدرك هذا الراحل علي سالم البِيض، وسعى إليه بحماس لافت، فملك قلوب اليمنيين؛ لكنه أغفله لاحقاً!
كان مؤسفاً أن تستغل قوى خارجية تفاقم الخلافات بين علي البِيض وعلي صالح، شريكه السياسي في إعادة توحيد شطري اليمن، بشأن «الإصلاحات الاقتصادية» التي تعنى بردم الهوة الاقتصادية مجتمعياً ومعيشياً بين شطري اليمن جراء اختلاف نظاميهما: الليبرالي شمالاً، والاشتراكي جنوباً.
يتذكر الجميع خطابات علي سالم البِيض الوحدوية، وكيف كانت تتميز بحماسة تنم عن صدق وإخلاص لوحدة اليمن ونهضة دولته ورخاء شعبه. ولا يستطيع أحد أن ينسى خطابه في ميدان السبعين يوم 24 ديسمبر 1989 وقوله: «لقد تعانقت صنعاء وعدن، إلى الأبد، إلى الأبد، إلى الأبد».
كذلك ما تزال تتردد في أذهان ووجدان غالبية اليمنيين، من عاصروا نهاية عقد الثمانينيات وبداية عقد التسعينيات من القرن الماضي، خطاب علي البِيض الوحدوي الصميم في مجلس الشعب في عدن، عشية توقيع اتفاق إعادة توحيد الشطرين وانصهار كيانيهما السياسيين في الجمهورية اليمنية.
يحضرني من هذا الخطاب التاريخي الخالد بما حواه من حب جارف، وإدراك عارف، وافتخار بالهوية اليمنية ووحدة اليمن، قوله: «لسنا شعبين، بل شعب يمني واحد، هويتنا واحدة، وتاريخنا واحد، حضارة واحدة، فإلى المجد، وإلى السؤدد، إلى القوة والعزة، بإعادة توحيد الكيان اليمني الواحد».
ومع أن البِيض، حتى بعدما انفجر الموقف عسكرياً واندلعت حرب صيف 1994 المشؤومة، تمسك في خطاب «فك الارتباط»، بالهوية اليمنية ووحدة اليمن، بإعلانه «قيام دولة اليمن الديمقراطية»، و«يكون دستورها هو دستور الجمهورية اليمنية»، و«تظل وحدة اليمن هدفاً أساسياً»، إلا أنه أخفق لاحقاً.
ظل التعاطف الشعبي قائماً مع علي سالم البِيض، في شمال وشرق وجنوب وغرب اليمن، رغم انتهاء الحرب وانتقاله ورفاقه للإقامة في مسقط، ثم عواصم دولية. لكن البِيض فرّط بهذه الشعبية، حين تحول خطابه المتلفز عبر قنوات دولية ثم قناته «عدن لايف» إلى الحديث عن «احتلال يمني»!
المناضل الوحدوي الكبير في صفوف الحركة الوطنية ثم الثورية ضد الاحتلال البريطاني لعدن وجنوب اليمن وحتى انتزاع النضال اليمني المشترك الاستقلال الوطني، وقع في درن الخصومة السياسية وارتهن للعصبوية السلطوية، فتنكر لعقيدته الوحدوية إنساناً وأرضاً وتاريخاً، ليتحدث عن «احتلال يمني»!
لا ينكر أحد تداعيات خلافات المرحلة الانتقالية، ثم مواجهات حرب 1994 المشؤومة، فقد جعلت فتى يافعاً بعمري حينها (دون السادسة عشرة) مسكوناً بقلق الخلافات ثم كرب الاشتباكات، ولا ما طال التيار المهزوم في الحرب من إقصاء وتهميش، ومصادرة ممتلكات. لكن أصعب المجد هو صونه.
لا يستطيع أحد أن يجحد صنيع علي سالم البِيض الوطني الوحدوي، فقد كان أبيض كما لقبه وبيّض الله وجهه، مثلما لا يملك أي منصف سوى أن يسأل الله الرحمة والمغفرة لجميع من رحلوا عن عالمنا من المناضلين والساسة والعسكريين والقادة، فقد رجعوا إلى خالقهم، يجازيهم كيف يشاء عمَّا عملوا.
يبقى الثابت أن الاختلاف السياسي حتمي، والخلاف السياسي طبيعي، كما هو الائتلاف وارد بالحوار والمكاشفة والتزام الثوابت والمرجعيات العامة. لكن الكارثة تكون حين ينفلت عقال الخلاف السياسي إلى الخلاف مع الوطن، والعداء مع الشعب أو فئات منه، بجَغْرفة الصراع ومَنطقة الدماء، يهلك الجميع!

أترك تعليقاً

التعليقات