غفلة الهالة!
 

ابراهيم الحكيم

إبراهيم الحكيم / لا ميديا -
بدأت الأحد هالة موسمية صاخبة، يحدث أن تشيع في العادة، حالة غفلة عامة مصاحبة، عن خطوات وأحداث فارقة لها طابع مباغتة وتظل واردة، جراء انتهاز قوى الصراع ما تعُده فرصة سانحة، أطلقتها صافرة فسحة التهاء مواتية لإنفاذ أجنداتها المُعدة واتخاذ خطواتها المؤجلة. يحدث هذا باستغلال توجه أنظار واهتمامات شعوب العالم نحو مجريات مونديال أكثر الألعاب الرياضية شعبية على هذا الكوكب!
التجارب السابقة، أظهرت تزامن انطلاق تطورات كبيرة في مجريات الصراع الدولي، بأوجهه المختلفة، سياسيا واقتصاديا وعسكريا؛ مع انطلاق فعاليات كأس العالم لكرة القدم. يحدث هذا بخلاف ما يفترض أنه جوهر غاية فعاليات هذه البطولة العالمية، من تقريب بين الشعوب إنسانيا وإشاعة روح السلام والتعايش على قاعدة تقاطع المصالح وتبادل المنافع، والتنافس النزيه في التصدر والريادة... إلخ.
لنا في هذا، أمثلة عدة، ليس أقربها، وقائع ومجريات الحرب العدوانية على اليمن، المتواصلة للسنة الثامنة على التوالي. لم تتوقف هذه الحرب مع انطلاق آخر نسخة من بطولة كأس العالم لكرة القدم المقامة في روسيا 2018. على العكس ازدادت حدة وتيرتها، وتضاعفت وحشية جرائمها بحق اليمنيين المدنيين الأبرياء، حصارا وقصفا من طيران تحالف العدوان للأحياء والتجمعات والمرافق المدنية!
مِن ذلك، مثلا لا حصرا، قصف طيران تحالف العدوان مخيما للنازحين في مديرية الحالي بمحافظة الحديدة وقتله وجرحه 33 مدنيا معظمهم أطفال ونساء، وحفل زفاف يحيى جعفر بمنطقة بني قيس محافظة حجة وقتله وجرحه 30 مدنيا غالبيتهم أطفال ونساء، وحافلة تقل طلابا وسط سوق ضحيان بمحافظة صعدة وقتله 50 طفلا وجرحه 70 آخرين جلّهم من الأطفال، وغيرها الكثير من المجازر!
يُضاف إلى هذا، تصعيد تحالف السعودية والإمارات ومن ورائهما حلف الشر الإنجلو-صهيوني (أمريكا وبريطانيا وإسرائيل)، عدوانهم على اليمن. اقتصاديا بإحكام الحصار البري والبحري والجوي واستهداف العملة الوطنية، وعسكريا، بالهجوم البحري والجوي الواسع على الساحل الغربي للبلاد والحديدة، وما أسفر عنه من ضحايا مدنيين، فضلا عن السيطرة على الشريط الساحلي من المخا وحتى ذوباب!
دوليا أيضا، بدت هالة المونديال في روسيا (2018) وغفلة أنظار الشعوب واهتماماتها، فرصة سانحة لإعلان دونالد ترامب انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي مع إيران وفرض عقوبات على طهران، وإعلان افتتاح سفارة واشنطن في القدس تكريسا لاعتراف أمريكا بالمدينة عاصمة للكيان الصهيوني، واقتراف الأخير مجزرة بحق مسيرات العودة وكسر الحصار على غزة، واستشهاد 60 فلسطينيا.
كما كانت أجواء المونديال فرصة سانحة للشعبويين (العنصريين المتطرفين) في إيطاليا عقب بلوغهم الحكم، لإغلاق الموانئ أمام السفن الإنسانية المنقذة للمهاجرين في البحر المتوسط؛ وللتغطية على انكسار أمريكا أمام كوريا الشمالية بعقد ترامب لقاء قمة مع كيم جونغ في سنغافورة، ولصرف الأنظار عن تداعيات تسبب المصانع الأوروبية والغربية بالانحباس الحراري وحرائق أوروبا وأمريكا (كاليفورنيا).
كذلك أفريقيا، بدت أجواء المونديال وانصراف أنظار الشعوب إليها، فرصة لترتيب أوضاع القرن الأفريقي باتجاه خنق مصر وإضعاف موقفها التفاوضي في ملف “سد النهضة”؛ عبر إنهاء إريتريا وإثيوبيا حالة الحرب بينهما الممتدة لعشرين عاما، وتوقيعهما “إعلانا مشتركا للسلام والصداقة” واستئناف سفارتيهما، وتبعا التهدئة بين إريتريا وجيبوتي، وإحياء العلاقات الدبلوماسية بين إريتريا والصومال!
هذا وغيره بالطبع، يوجب الاحتراز أكثر، في ظل حال اللاسلم واللاحرب المستمرة منذ انتهاء ثالث تمديد لاتفاق الهدنة (الخدعة) المُعلن إبرامه من الأمم المتحدة بين أطراف الحرب في اليمن. كل شيء يظل متوقعا من تحالف، أثبتت مجريات حربه العدوانية أنه لا يلتزم بأي ضوابط أو مرجعيات، لا إنسانية ولا أخلاقية ولا سياسية أو حتى تشريعية، بما فيها قواعد الحرب، والقانونين الدوليين الإنساني والجنائي.
عدا هذا، يظل حدث المونديال في ذاته، اقتصاديا عالميا، قبل أن يكون شعبيا ورياضيا. ويبقى الأبرز في انطلاق فعاليات البطولة الثانية والعشرين لكأس العالم لكرة القدم هذا العام، أنها تقام للمرة الثانية في قارة آسيا، وللمرة الأولى في بلد عربي، رغم كل ما قيل وأُشيع وظل يُثار بشأن كواليس قرار الاستضافة، في خضم حمى الظهور ونزاع الحضور وبالطبع صراع النفوذ في المنطقة، والوكالة لقوى الهيمنة الدولية.

أترك تعليقاً

التعليقات