مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
الطبّاع.. حارس الأثر ولغز اللون
في ورشةٍ تشبه الخلوة، حيث الحبر يُسبّح، واللون يُرتّل، يقف الطبّاع؛ رجلٌ إذا مسّ الورق أنطقَه، وإذا صافح القماش علّمه الحكاية.
ليس صانعَ نسخٍ، بل ناسخُ جمالٍ، يهب الفكرة جسداً، ويجعل للأثر ذاكرة.

العارف وأسراره
يعرف مقامات الألوان كما يقرأ العارف أسرار الحروف. يزن النفخة، ويقيس الضغط، ويضع الحبر موضع الحكمة.
يختار اللون كما يختار الشاعر لفظه. ويؤلّف الطبعة كما يؤلّف الموسيقي نغمتَه الأولى.

الكتاب بين يديه كائنٌ حيّ
الحرف فيه لا يُقرأ فحسب، بل يُرى. والصفحة لا تُقلَب، بل تُستعاد.
كل طبعةٍ عهد، وكل كتابٍ شاهدٌ على صبرٍ لا يملّ.
وللقماش عنده شأنٌ آخر؛ نسيجٌ يصير لغة، ولونٌ يغدو رسالة.
تمرّ الأنسجة تحت كفّيه فتلبس المعنى، وتخرج الحكاية تمشي على هيئة ثوب.
ورشته معبدٌ صغير، الأدوات فيه مريدون، والمكبس محراب، وكل طبعة صلاةٌ تُرفع بصمتٍ جميل... هنا يتباطأ الزمن، احتراماً للفن.


الصبر ديدنه، والدقة مذهبه
غلطةٌ تُفسد الأثر. وصوابٌ يُخلّد الاسم.
يُعيد المحاولة حتى يبلغ المثال، كأن الكمال ضيفٌ لا يُستدعى إلا بطول نَفَس.
مع تغيّر الأزمنة، وبروز الآلة
يبقى الطبّاع ظلّاً من نور؛ أثره لا يبهت، لأن الروح لا تُنسخ.

خاتمة:
هكذا يظلّ الطبّاع: حارسَ الجمال، وناسخَ الذاكرة، من علّم الورق أن يبتسم، والقماش أن يحكي، واللون أن يكون لغةً تُخاطب القلب قبل العين... وتبقى.

أترك تعليقاً

التعليقات