مروان ناصح

مروان ناصـح / لا ميديا -
الفلّاح.. سيّد التراب ونبيل الزمن الجميل
حين غنّى محمد عبد الوهاب: "ما أحلاها عيشة الفلّاح"، لم يكن يصف مهنة، بل كان يستدعي فلسفة عيشٍ كاملة، نمط حياةٍ وُلد من رحم الأرض، وتشكّل على مهلٍ بين شروق الشمس ومغيبها.
الفلّاح في الزمن الجميل لم يكن بطل أغنية فحسب، بل كان البطل الصامت للحياة، ذاك الذي يحمل على كتفيه مواسم البلاد كلّها، ويبتسم وهو يزرع، لأنه يعرف أن الأرض لا تخون من يخدمها.

ابن الأرض ولو لم يملكها
لم يتعامل الفلّاح مع الأرض بوصفها ملكية، بل بوصفها كائناً حيّاً، يخاطبها، يغضب منها، يسترضيها، وينتظر عفوها... كانت الأرض أمّه الثانية، تمنحه الخبز إن أحسن إليها، وتؤدّبه إن تكاسل.
لذلك كان الفلّاح واقفاً دائماً بين الرجاء والخشية، مثل عابدٍ في محراب مفتوح على السماء.

إيقاع الحياة.. حين كانت الشمس ساعة
في عالم الفلّاح، لم تكن هناك عقارب تدور، بل شمسٌ تتحرّك ببطءٍ مقدّس.
يبدأ نهاره مع الضوء الأول، وينتهي حين تستريح الطيور.
الزمن عنده ليس شيئاً يُقتل، بل شيء يُعاش.
ولهذا بدت حياته –في الأغنية– خالية من الهمّ؛ لأنها لم تكن محكومة بسرعة المدينة ولا بجنون الاستعجال.

الجسد العامل.. وسام الشرف
كان جسد الفلّاح كتاباً مفتوحاً: يدين مشقّقتين، ظهراً محنياً، وجهاً أسمر حفرت فيه الشمس توقيعها.
لم تكن هذه العلامات عيباً، بل أوسمة شرف.
الجسد هنا لا يُستعرض، بل يُستثمر، لا يُدلّل، بل يُختبر في معركة يومية مع التراب والمطر والانتظار.

الفلّاح في الغناء.. صورة أنقى من الواقع
غنّى له عبد الوهاب، وتغنّت به السينما، وظهر في الأغاني مبتسماً، هادئاً، راضياً.
كانت تلك صورة مُجمَّلة، نعم، لكنها لم تكن كاذبة. لقد أخفت الشقاء، لكنها صدّقت المعنى. 
فالفلّاح كان فقير الجيب، غنيَّ الروح، يملك من الطمأنينة ما لا تعرفه المدن.

القرية.. وطنٌ مصغّر
في حياة الفلّاح، لم يكن الفرد وحيداً. القرية عائلة كبيرة، والحقل مساحة مشتركة للأحلام.
الأفراح جماعية، والأحزان موزّعة، والعمل مشترك.
هناك، لم يكن الإنسان رقماً، بل اسماً وذاكرةً ونسباً، يعرفه الجميع ويشهدون على تعبه.

من المركز إلى الهامش
مع تحوّل العالم، خرج الفلّاح من الأغنية إلى الظل، ومن الرمز إلى الإهمال. صارت الأرض مشروعاً، والموسم صفقة، والفلاح عبئاً في لغة الاقتصاد الجديد.
ظلّ يغذّي البلاد، لكن البلاد نسيت اسمه، وتحوّل سيّد التراب إلى غريبٍ في وطنه.

لماذا نعود إليه اليوم؟
لأن الفلّاح ليس ماضياً فقط، بل سؤال حاضر: كيف نعيش ببساطة دون أن نفقد الكرامة؟
كيف نعمل دون أن نفقد المعنى؟
كيف نكون أبناء الأرض لا مستهلكيها؟
في صورته القديمة مرآةٌ لقلقنا الحديث، وفي صمته حكمة نفتقدها.

خاتمة:
لم تكن "عيشة الفلّاح" جميلة لأنها سهلة، بل لأنها صادقة.
كانت حياةً متعبة، نعم، لكنها متصالحة مع نفسها.
وحين نستعيد الفلّاح اليوم، لا نفعل ذلك بدافع الحنين وحده، بل بحثاً عن جوهر إنساني ضاع بين الإسفلت والضجيج.
الفلّاح لم يمت؛ نحن الذين ابتعدنا عن الأرض.

أترك تعليقاً

التعليقات