مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
مجلّخ السكاكين.. حين يصبح الحدّ فلسفةً في الحارة
(هذه الحلقة مهداة إلى الصديق الأديب حسين ورور، فهو الذي ذكّرني بالثلاثة الذين نسيتهم: المجلِّخ، مصلّح بوابير الكاز، ومبيّض المواعين).


رجلٌ يوقظ الحديد
كان يأتي بلا إعلان. يسبقه صريرُ العجلة، كأن الحارة تُنَبَّه لشيءٍ خطيرٍ وجميل في آن.
مجلّخ السكاكين لا يبيع شيئاً جديداً، بل يعيد للحديد ذاكرته الأولى: أن يكون حادّاً، يقظاً، ولا يُؤخذ على عجل.

آلة واقفة عند ناصية الطريق
آلته منتصبة على قوائم خشبية أو معدنية قابلة للطي، نحيلة، صارمة، كأنها كائن يعرف وظيفته ولا يساوم عليها.
عجلةٌ تدور. مبردة تئنّ. وصوتٌ معدنيّ يخترق الظهيرة، ويعيد ترتيب الصمت.

طقس الشحذ
يمسك السكين، كما يُمسك الشيء الخطر، باحترام.
يقرّبه من العجلة، بلا عجلة، بل بحسابٍ دقيق.
شررٌ صغير يتطاير، كأنه اعتراف الحديد بأنه يستعيد حدَّه.
كل دورة للعجلة تنزع عن النصل كسل الأيام.

السكاكين تعود مختلفة
السكاكين تعود إلى أصحابها لا كما جاءت.
تلمع ببرودة، وتلهث نظافةً وحِدّة.
تقطع الخبز بسهولة مريبة، وتفصل الأشياء كأنها تملك رأياً.
هنا يبدأ الحذر.

خوف البيوت الصامت
بعد مرور المجلّخ، يتغيّر سلوك البيوت.
تُرفع السكاكين عالياً، ويُنبَّه الأطفال: هذا الحديد صار أكثر صدقاً، وأقل تسامحاً مع الخطأ.
الحدّ لا يمزح، ولا يغفر السهو.

معرفة لا تُدرَّس
المجلّخ لا يتكلم كثيراً؛ لكن يديه تعرفان زاوية الميل، وضغط اللحظة، ومتى يجب أن يتوقّف قبل أن يُفسد النصل.
هذه معرفة لا تُدرَّس، بل تُورَّث مع الصوت والشرر والتجربة.

الحدّ.. فلسفةٌ صغيرة
هنا يكمن السر: الحدّ ليس مجرد حِدة.
هو تذكير بأن الأشياء حين تُصقل، تتطلّب وعياً أكبر.
فالسكين الحادّة ليست أقوى، بل أكثر صراحة، وتحتاج إلى إنسانٍ أكثر يقظة.
كما أن النفس حين تُصقل تُصبح أكثر ألماً، وأكثر صدقاً.

خطرٌ نافع
في وجوده مفارقة واضحة: هو يجعل الأدوات أخطر، لكي تصير أنفع.
فالسكين الكليلة تجرح أكثر مما تقطع. أما الحادة فتنهي الأمر بسرعة.
هكذا كان يقول بعينيه، لا بلسانه.

اختفاء بلا ضجيج
ثم اختفى. لم تُلغِه الكهرباء، ولا الآلات الحديثة، بل الاستعجال.
صار الناس يشترون سكاكين جديدة بدل أن يعيدوا القديمة إلى حدّها.
غابت تلك العجلة التي كانت توقظ الحارات، وتعلّمها الحذر.

خاتمة: الحدّ الذي علّمنا الانتباه
جلخ السكاكين لم يكن مهنة عابرة، بل درساً غير مكتوب: أن الأشياء حين تُستعاد حدّتها تتطلّب وعياً أكبر،
وأن الخطأ مع الحديد الصادق لا يُسامح عليه.
رحل بصمت، لكن من عرفوه ما زالوا يختبرون السكين بأطراف أصابعهم، ويعرفون أن الحِدّة ليست لعباً.

أترك تعليقاً

التعليقات