مروان ناصح

مـروان ناصح / لا ميديا -
الجابي.. ذاكرة الدولة وصدى الأزقة
في ذلك الزمن البعيد، حين كانت الدولة تمشي على قدمين من حسابٍ وعدل، وتتنفّس عبر دفاتر وقوانين، كان "الجابي" يسير بين الناس كظلٍّ رسميٍّ للسلطة، ووجهٍ إنسانيٍّ للواجب.
يحمل في يده الحصادَ المالي، وفي صدره ميزانَ القانون، وفي عينيه خرائط المدينة كلّها.
لم يكن مجرد مُحصِّل، بل شاهداً على نبض الحياة، ومرآةً لحال الفقراء والأغنياء، وجسراً خفيّاً بين السلطان والأهالي.

 "التحصيل دار".. مكتب بين الأزقة
في زمن الدولة العثمانية، كان "التحصيل دار" قلبَ الجباية النابض، ومحراب الأرقام والدفاتر.
مكان صغير، لكن قراراته كانت تكبر في الأزقة، وتتردّد في الحارات، حتى تبلغ كل بابٍ خشبي، وكل نافذةٍ مطلّة على الرزق والقلق معاً.
هنا تُسجَّل الضرائب، وتُوزَّع الأعباء، ويُرسَم ميزان الواجب على البيوت والحِرَف.

الجابي يسعى بين الناس
يمشي حاملاً دفتره، وقلمه مستريحاً خلف أذنه كجنديٍّ صغيرٍ في حالة استعداد.
يقرع الأبواب، يسأل عن المحصول، عن الدخل، عن المواسم الجيدة والعجاف، عن الديون التي تتراكم مثل غبار السنين.
كان يسير بخطواتٍ محسوبة، كمن يمشي فوق خيطٍ رفيع، يجمع بين الحزم واللين، وبين هيبة الدولة ولباقة الإنسان.

عين الدولة وأذنها
لم يكن الجابي عدوّاً، ولا جلاداً للأرزاق، بل كان عين الدولة المفتوحة، وأذنها المصغية.
يرى فيسجّل. يسمع فيدوّن. وينقل الحقيقة كما هي، أحياناً ليحفظ النظام، وأحياناً ليذكّر الناس بأن الواجب هو الوجه الآخر للاستقرار.

دفتر الحسابات.. الذاكرة الحيّة
خلف أذنه قلم، وفي يده دفتر، وفي قلبه أرشيف مدينة كاملة.
في صفحاته: أسماء الناس، مقادير الدخل، نِسَب الضرائب، مواعيد السداد، وملاحظات صغيرة عن الفلاحين والحرفيين 
وأحوال المواسم والسنين.
كل صفحة كانت شجرة، وجذورها تمتدّ إلى القرى، وأغصانها تظلّل البيوت.

صبرٌ وطول بال
لم تكن الجباية أرقاماً فقط، بل علماً بالنفوس، وفنّاً في التعامل.
هذا يراوغه بالكلام، ذاك يختبئ خلف الأعذار، آخر يثور غضباً، ورابع ترهقه المصائب...
وكان على الجابي أن يزن كل ذلك قبل أن يخطّ رقماً واحداً، فالقلم أحياناً أثقل من المطرقة.

بين الفرح والحزن
في جولاته اليومية، كان يرى الخوف والطمأنينة جنباً إلى جنب.
بسطاء يرتجفون وهم يخفّفون عن كواهلهم عبء الضريبة. وأغنياء يبتسمون لأن دفاترهم مرتّبة، وحسابهم مستقر.
والجابي، بين هؤلاء وأولئك، يكتب، ويتذكّر، ويحاول أن يصنع توازناً بين القانون والرحمة، بين النصّ والنبض.

نهاية الرحلة.. وانقراض المهنة
ومع تغيّر الدولة، ودخول الأنظمة الحديثة، واستبدال الدفاتر بالشاشات، والحبر بالأزرار، اختفى الجابي بصورته الإنسانية.
حلّ مكانه الموظف، والحاسوب، والملف الإلكتروني. لكن روحه بقيت في الحكايات، وفي الأمثال، وفي عبق الأزقة القديمة التي ما زالت تحفظ وقع خطواته.

خاتمة:
لم يكن الجابي مجرد مُحصِّل ضرائب، بل كان حارس النظام، ومؤرّخ التفاصيل الصغيرة، وراوي حياة الناس اليومية.
كان مرآةً صامتة لعلاقة الدولة بالمواطن، ورمزاً للصبر والواجب، وللتوازن الدقيق بين السلطة والإنسان.
مهنةٌ اندثرت، لكن أثرها بقي، وصدى خطواتها ما زال يتردّد في الأزقة، 
حيث كان القانون يلتقي بالإنسان وجهاً لوجه.

أترك تعليقاً

التعليقات