أنس القاضي

أنس القاضي / لا ميديا -
عقدت اللجنة الفرعية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجلس النواب الأمريكي، في الأول من أيلول/سبتمبر الجاري، جلسة بعنوان «مواجهة إرهاب الحوثيين، حماية المصالح الأمريكية والأمن في البحر الأحمر»، وقد حدد العنوان إطار النقاش مسبقاً بتقديم صنعاء تهديداً للمصالح الأمريكية والملاحة، مع تغييب الحرب والحصار والصراع اليمني السعودي، وهي غالباً تأتي في إطار الضغط السعودي على الإدارة الأمريكية للانخراط المباشر ضد اليمن حالياً وتقوم المملكة بنشاط إعلامي ودعائي وسياسي حثيث في هذا الاتجاه مستفيدة من جماعات الضغط.

طبيعة جلسة الاستماع
تستخدم اللجنة جلسة الاستماع لجمع المعلومات وتسجيل الشهادات والمواقف، وتختار رئاستها وطاقمها الشهود، وتوفر أساساً لمناقشة العقوبات والمساعدات والتمويل والسياسة الدبلوماسية، دون أن تكون محاكمة قضائية أو قراراً ملزماً للإدارة.
وفي إطار هذه الوظيفة اختارت اللجنة ندى الدوسري، وهي باحثة يمنية أمريكية في «معهد الشرق الأوسط»، وأليسون ماينور التي تدير «مشروع التكامل في الشرق الأوسط بالمجلس الأطلسي»، وسبق أن عملت نائبة للمبعوث الأمريكي الخاص إلى اليمن وفي مجلس الأمن القومي.
مثلت الشاهدتان مؤسستين بحثيتين خارج الإدارة، وقدمتا خبرة تستفيد منها اللجنة دون أن تتحدثا باسم الحكومة الأمريكية، كما لم تمثل أي منهما رؤية تعارض الإطار الذي وضعته اللجنة، ولذلك اقتصر التنوع بينهما على اختلاف المقاربات داخل التصور الأمريكي نفسه، دون دليل في وثائق الجلسة على توزيع أدوار مسبق بين موقف متشدد وآخر أقل تشدداً.

مضمون الشهادتين والجدل بين الجمهوريين والديمقراطيين
بنت ندى الدوسري شهادتها على أن الولايات المتحدة أخطأت في تقدير أنصار الله خلال عقد كامل، وتعاملت معهم جماعة محلية تعتمد على إيران، بينما تطورت قدراتهم الصاروخية والبحرية واتسعت شبكاتهم المالية والعسكرية، وقدرت إيرادات تجارة النفط غير المشروعة بنحو ملياري دولار سنوياً -حد زعمها- ورأت أن هذه الموارد وشبكات التهريب تتيح تعويض خسائر الغارات والعقوبات، كما ربطت تأخر مشاركة صنعاء الواسعة في الحرب الأمريكية الإيرانية بقرار إيراني يحتفظ بها قوة احتياطية يمكن تحريكها إذا تراجعت فاعلية الضغط عبر مضيق هرمز.
وسّعت الدوسري نطاق التهديد إلى القرن الأفريقي، وتحدثت عن مزاعم تعاون مع حركة الشباب وتنظيم القاعدة، وعن حضور لعناصر مرتبطة بأنصار الله في الصومال وبونتلاند وأرض الصومال، كما نسبت إلى روسيا تقديم معلومات استهداف ودعما تقنيا، وإلى شركات صينية توفير صور أقمار صناعية ومكونات مزدوجة الاستخدام تدخل في صناعة الصواريخ والمسيّرات، واعتبرت أن موسكو وبكين تمنحان صنعاء غطاءً سياسياً داخل مجلس الأمن، لكن بعض هذه التقديرات استند إلى تقارير استخباراتية وإعلامية لم تعرض أدلتها التفصيلية أمام اللجنة.
خلصت الدوسري إلى أن القوة الجوية والعقوبات والاعتراض البحري تستطيع إبطاء القدرات، لكنها لا تغير ميزان القوى داخل اليمن، وحددت الأرض باعتبارها المصدر الأساسي لـ»قوة صنعاء»، لأنها توفر السكان والموارد والموانئ ومواقع الإطلاق ومسارات التهريب، ولذلك دعت واشنطن إلى العمل مع السعودية لتسليح قوات «حكومة عدن» وتدريبها وتوحيد قيادتها وتزويدها بالمعلومات الاستخباراتية، بحيث تتولى القتال البري وتنتزع مناطق ساحلية وداخلية دون مشاركة قوات أمريكية على الأرض.
قدمت أليسون ماينور قراءة أقل اندفاعاً نحو الحرب البرية، واعتبرت أن الحملات السعودية والأمريكية والصهيونية والعقوبات والحصار البحري فشلت في إنهاء قدرات أنصار الله، كما ساعدت الضربات الخارجية على تعزيز التجنيد ورفع مكانة صنعاء داخل محور المقاومة وتوسيع تعاونها مع روسيا والجماعات المسلحة، ورأت أن الحرب المفتوحة توفر بيئة مناسبة لاستمرار أنصار الله، لأنهم اكتسبوا خبرة طويلة في القتال وبناء المؤسسات الأمنية وتطوير الأسلحة المحلية.
دعت ماينور إلى استراتيجية تجمع الضغط المحدود والدبلوماسية والمساعدات وتقوية مؤسسات حكومة عدن، على أن تكون غاية العمل العسكري الدفاع عن الملاحة وصناعة أوراق تفاوض، لا السعي إلى هزيمة شاملة يصعب تحقيقها، واقترحت تسوية سياسية تضع قيوداً قابلة للتنفيذ على الهجمات العابرة للحدود والعمليات البحرية، وتعالج ضعف الحكومة والانقسامات داخل التحالف، كما طالبت بإعادة تعيين مبعوث أمريكي خاص لليمن واستئناف المساعدات الغذائية ودعم ما يسمى البنك المركزي ووزارة المالية وخفر السواحل التابعين لـ«حكومة عدن».
استندت ماينور إلى تجربتها السابقة نائبة للمبعوث الأمريكي تيم ليندركينغ، وقدمت هدنة أبريل 2022م بوصفها نتيجة للدبلوماسية الأمريكية والتنسيق مع السعودية والإمارات و«حكومة عدن» والأمم المتحدة، لكنها أقرت بأن الهدنة أوقفت القتال الواسع دون أن تقيد طموحات صنعاء، وأن المجتمع الدولي ركز على إبقاء الصراع هادئاً ولم ينجز تسوية نهائية، فاستمرت أنصار الله في بناء قدراتها ثم انتقلت إلى عمليات البحر الأحمر خلال 2023م.

الدبلوماسية والمساعدات والتباين الحزبي الأمريكي
سأل العضو توماس كين الابن الدوسري عن إمكان توظيف «اتفاقات أبراهام» والتحالفات الإقليمية في مواجهة صنعاء، فلم تقدم علاقة واضحة بين الاتفاقات واليمن، وعادت إلى دعم حكومة عدن عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، بينما قدرت ماينور تراجع حركة الملاحة في البحر الأحمر بنحو 50 إلى 60 بالمائة، وربطت عودتها بوجود تسوية دائمة، وطالبت الكونغرس بإعادة المبعوث الخاص واستئناف مساعدات الغذاء.
استخدم بيل كيتنغ أسئلته لمهاجمة إدارة ترامب، وسأل ماينور عن أثر أزمة هرمز ومشاركة بريطانيا وغياب السفراء وإلغاء برامج المساعدات، فأجابت بأن تقييد هرمز منح صنعاء ورقة أقوى، وأن بريطانيا قدمت دعماً للعمليات الأمريكية، وأن واشنطن لا تملك سفراء معينين في اليمن والسعودية والإمارات، كما رأت أن القائمين بالأعمال والمبعوثين المكلفين بملفات متعددة لا يستطيعون إدارة اليمن بفاعلية، وأن تخفيض المساعدات أضعف المدنيين وحكومة عدن معاً.
واصلت ديبي واسرمان شولتز الاتجاه نفسه، وسألت ماينور إن كان إلغاء الوكالة الأمريكية للتنمية قد أبقى المساعدات المنقذة للحياة كما وعدت الإدارة، فأجابت بالنفي، وقالت إن الجوع وفقدان الدواء والدخل يزيد قابلية التجنيد، وإن التصعيد البحري يرفع أسعار الوقود والسلع، ودعت إلى إنهاء التذبذب بين القصف والانكفاء واعتماد سياسة مستمرة، كما نبهت إلى توقف جمع البيانات في مناطق صنعاء بسبب احتجاز موظفي الإغاثة، ما يحجب الحجم الفعلي لأزمة الغذاء.
سأل روني جاكسون الدوسري عن التعاون مع حركة الشباب، فقالت إن نحو أربعمئة عنصر من الحركة تلقوا تدريباً في اليمن على المسيّرات وصيانة الأسلحة والعبوات، وتحدثت عن انتقال عناصر مرتبطة بصنعاء إلى الصومال وخطط مشتركة ضد الولايات المتحدة والملاحة ودول الخليج، وأيدت دعم الحكومة الصومالية، لكنها جعلت دعم «حكومة عدن» وسيلة أساسية لمنع وصول أنصار الله إلى القرن الأفريقي، كما أقرت بأن الضغط على إيران يقلص بعض الموارد، مع بقاء شبكات مستقلة لدى صنعاء.
اختتم العضو جيم كوستا الأسئلة المتعلقة بقدرة الطرفين، فوصفت ماينور اليمن بأنه يقترب من حالة الدولة الفاشلة، وقدرت ترسانة أنصار الله بقدرات تضاهي دولاً وتشمل صواريخ ومسيّرات وأسلحة مضادة للسفن، وأقرت بقدرتهم على تعطيل البحر الأحمر، وقالت إن واشنطن لم تضع خطاً أحمر واضحاً بعد استمرار الهجمات عقب تفاهم مايو 2025م، كما رأت أن قوات «حكومة عدن» يمكن أن تواجه صنعاء إذا تلقت دعماً أكبر، لكنها لا تستطيع تحقيق هزيمة عسكرية، وأن الولايات المتحدة والسعودية تواجهان القيد نفسه ما لم تدخلا في اجتياح بري لا يحظى بقبول سياسي.
أظهر النقاش انقساماً حزبياً حول تقييم إدارة ترامب وأهمية المساعدات والدبلوماسية، لكنه لم ينتج خلافاً حول الغاية العامة، فقد اتفق الجمهوريون والديمقراطيون على اعتبار قدرات صنعاء تهديداً للمصالح الأمريكية، وعلى دعم «حكومة عدن» وتقوية خفر السواحل وملاحقة شبكات التمويل والتهريب، وانحصر التباين في مقدار الاعتماد على القوة العسكرية وشكل التسوية، لذلك قدمت الجلسة بدائل متنافسة داخل سياسة الاحتواء الأمريكية، ولم تفتح نقاشاً حول شرعية مطالب صنعاء أو مسؤولية العدوان والحصار أو وقف دعم الكيان الصهيوني بوصفه مدخلاً لخفض التصعيد البحري.

الدلالات والتقديرات
لم تصدر عن الجلسة توصية ملزمة، ولم يُعرض خلالها مشروع قانون أو قرار أو تفويض باستخدام القوة، كما لم تُقر اعتمادات مالية أو عقوبات جديدة، فقد استمعت اللجنة إلى شاهدتين من خارج الإدارة الأمريكية، دون حضور مسؤولين في وزارات الخارجية والحرب والخزانة لمساءلتهم عن سياسة حكومية محددة، وانحصرت النتيجة القانونية في إدخال شهادتي ندى الدوسري وأليسون ماينور ومداخلات الأعضاء ضمن السجل الرسمي للكونغرس.
أبقت اللجنة سجل الجلسة مفتوحاً خمسة أيام لتقديم أسئلة ومواد إضافية، بما يسمح للأعضاء بالحصول على إجابات مكتوبة وإلحاقها بالسجل، أما النتيجة السياسية فتمثلت في ظهور تقارب بين الأعضاء المشاركين من الحزبين حول اعتبار أنصار الله تهديداً طويل الأمد للمصالح الأمريكية والملاحة وحلفاء واشنطن، والبحث عن استراتيجية أوسع من الضربات الجوية والعقوبات التي لم تحقق ردعاً دائماً.

المسار المؤسسي المتوقع
يبدأ المسار الأقرب بأسئلة مكتوبة ورسائل رقابية توجهها اللجنة أو بعض أعضائها إلى وزارات الخارجية والحرب والخزانة، وقد تتناول استراتيجية الإدارة تجاه اليمن، وفاعلية العقوبات، وطرق تهريب السلاح والنفط، والعلاقات المنسوبة إلى أنصار الله مع روسيا والصين وحركة الشباب الصومالية، وحاجة السياسة الأمريكية إلى مبعوث خاص لليمن أو شغل المناصب الدبلوماسية الشاغرة المرتبطة بالملف.
قد تدخل مقترحات الجلسة في مشروعات تشريعية ومالية أوسع، ولا سيما قانون تفويض الدفاع وقوانين الاعتمادات الخارجية، عبر تمويل شراكة الأمن البحري مع حكومة المرتزقة في عدن، وتدريب خفر السواحل التابع لها، وتوسيع تبادل المعلومات الاستخبارية والمراقبة والاستطلاع، وتقديم دعم تقني ولوجستي للقوات التابعة لها، وإلزام الإدارة برفع تقارير دورية عن قدرات أنصار الله وشبكات الإمداد والتمويل.
تبقى العقوبات الأداة الأسرع التي يمكن للإدارة استخدامها دون انتظار تشريع مستقل، وقد تشمل شركات وأفراداً وسفناً ووسطاء يشتبه في ارتباطهم بتوريد المكونات العسكرية أو نقل النفط والأموال، مع زيادة الضغط على الشركات الصينية والروسية والجهات العاملة في دول ثالثة، غير أن قدرة هذه الإجراءات على إيقاف شبكات التوريد تظل محدودة، لأنها تستطيع تغيير طرقها وواجهاتها ومناطق عملها كلما تعرض جزء منها للاستهداف.
يميل المسار الأمريكي إلى تحميل السعودية والقوات التابعة لـ«حكومة عدن» العبء البري، مع احتفاظ واشنطن بأدوار الاستخبارات والتدريب والتسليح والعقوبات والدعم البحري والجوي، ولذلك يبقى احتمال إرسال قوات أمريكية برية أو إصدار تفويض قريب بحرب واسعة ضعيفاً، بينما يرتفع احتمال بناء قدرة محلية وإقليمية تمارس ضغطاً متدرجاً على صنعاء.

الدلالات
تتمثل الدلالة الأساسية في محاولة واشنطن تحويل المواجهة مع اليمن إلى ضغط غير مباشر طويل الأمد تديره عبر السعودية وحكومة المرتزقة في عدن، بما يخفض كلفتها، ويتوافق هذا الاتجاه مع التحركات السعودية الرامية إلى إعادة ترتيب القوات التابعة للمرتزقة ورفع قدرتها على العمل العسكري والأمني والبحري.
يكمن الخطر في نقل الملف اليمني إلى إطار مكافحة الإرهاب العابر للحدود، فالادعاءات المتعلقة بالتعاون مع حركة الشباب والقاعدة، والعلاقات العسكرية والتقنية مع روسيا والصين، توسع دائرة المؤسسات الأمريكية المشاركة في العدوان، وتوفر مبررات إضافية للعقوبات والملاحقات المالية والاعتراض البحري والعمل الاستخباري، كما تفصل التعامل مع أنصار الله عن سياق الصراع اليمني السعودي والخلاف اليمني اليمني، وتعيد تعريفه باعتباره تهديداً أمنياً دولياً قائماً بذاته.

الخلاصة التقديرية
ترجح الجلسة اتجاهاً أمريكياً نحو بناء ضغط متعدد الأدوات على صنعاء، تقود فيه السعودية والقوات التابعة لـ«حكومة عدن» المواجهة البرية، وتتولى واشنطن توفير الإسناد السياسي والمالي والاستخباري والبحري، مع توسيع العقوبات والتضييق على السواحل بمزاعم الرقابة، ولا يمثل هذا الاتجاه قراراً بحرب قريبة، لكنه يهيئ بيئة مؤسسية تسمح برفع مستوى التصعيد تدريجياً مع تقليل الانخراط الأمريكي المباشر.
قد يتحول سجل الجلسة إلى مرجعية لتسريع الإجراءات إذا اتسعت الحرب الإقليمية أو تصاعدت العمليات في البحر الأحمر، وعندئذ يمكن استخدام الشهادات والمداخلات لإسناد مطالب التمويل والعقوبات والدعم العسكري، ويبقى المعيار الحاسم لقياس أثر الجلسة انتقال توصياتها إلى الأموال والأوامر والتعيينات والعقوبات والترتيبات الميدانية، أما بقاؤها داخل المداولات والرسائل والتصريحات فيعني استمرارها أداة لتهيئة السياسة دون تحولها إلى برنامج تنفيذي متكامل.

أترك تعليقاً

التعليقات