اقتصاد المقامرة بالحياة
 

أنس القاضي

أنس القاضي / لا ميديا -
يكشف مقتل الشاب «القعقاع» داخل حرضة دمت، التي اعتاد إلقاء نفسه فيها مقابل ريالات معدودات عن ظاهرة تتجاوز مسألة القعقاع نفسه وهو كإنسان خسارته لا تعوض، تفتح الحادثة نافذة نطل منها على جملة من الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية التي تراكمت خلال العقود الماضية فما حرضة دمت إلا حفرة واحدة لفوهة تبتلع اليمن؛ فالقعقاع كان شاباً فقيراً وجد في النزول إلى أعماق الفوهة والاستعراض البهلواني وسيلة لكسب المال وإعالة أسرته، ما يجعل الحادثة مدخلاً لقراءة الاقتصاد والثقافة والدولة بوصفها مستويات مترابطة مسؤولة عما جرى.
على المستوى الاقتصادي، يصعب فصل هذه الحادثة عن المسار التاريخي الذي تشكلت في إطاره البنية الاقتصادية اليمنية؛ فمنذ عقود طويلة ظل الاقتصاد اليمني عاجزاً عن استيعاب النمو السكاني المتسارع داخل قطاعات إنتاجية قادرة على توليد فرص عمل مستقرة، وقد توسعت التجارة والخدمات والتحويلات المالية من الخارج والأنشطة الريعية بوتيرة أسرع من توسع الزراعة الحديثة والصناعة والأنشطة الإنتاجية ذات القيمة المضافة المرتفعة التي تنمي الاقتصاد اليمني وتخق الفرص الجديدة، ونتيجة لذلك تشكلت كتلة واسعة من السكان تعتمد على الاقتصاد غير المنظم والأعمال المؤقتة والمهن الهامشية ومصادر الدخل غير المستقرة.
وفي مثل هذا الواقع لا يصبح العمل خياراً بين وظائف متعددة يختر الشاب أو الشابة ما يريد أو وفقاً لمؤهلة التعليمي وتخصصه، بل يتحول إلى بحث يومي عن أي نشاط يؤمن الحد الأدنى من الدخل في أي نشاط كان مهما كانت ظروف العمل وساعات العمل، وإن كان الحرب دفاعاً عن حدود السعودية أو المشاركة في الحرب الروسية الاوكرانية، أو الموت في البحر والغابات الأوربية عند محاولات الهجرة واللجوء.
ومن هنا تكتسب قصة القعقاع دلالتها الأعمق؛ إذ لم يكن يبيع سلعة أو ينتج خدمة يحتاجها المجتمع بقدر ما كان يبيع استعداده لتحمل الخطر، فالجمهور يدفع المال مقابل تحدي نزوله إلى فوهة البركان، أو مقابل كتابة اسمائهم في الهاوية، بينما يحصل هو على دخل مقابل تعريض حياته للخطر، وهنا يتحول الجسد نفسه إلى مورد اقتصادي، وتتحول احتمالات الإصابة أو الموت هي عقد المقامرة الضمني بين الشاب والجمهور.
وتزداد خطورة هذه المسألة عندما نعلم أن القعقاع لم يكن حالة منفردة، بل واحداً من عدد من شباب المنطقة، الذين اتجهوا إلى أنشطة مشابهة؛ فالمسألة تتعلق بنمط من التكيف الاجتماعي مع بيئة اقتصادية محدودة الفرص، حيث يجري البحث عن مصادر رزق خارج دائرة الإنتاج المباشر، ومن هذه الزاوية تبدو الحادثة انعكاساً لطبيعة اقتصاد تتوسع فيه الأنشطة الهامشية كلما ضاقت فرص العمل المنتج، وغابت الدولة الضامنة لحياة الإنسان وكرامته.
أما على المستوى النفسي الاجتماعي، فإن الحادثة تكشف جانباً من العمليات النفسية في مجتمع فقير غير منتج لا يملك قيمة حقيقية يعتد بها أمام نفسه والمجتمع؛ فقد تشكلت هذه الظاهرة داخل تركيبة اجتماعية مُعينة؛ فالمجتمع اليمني عرف تاريخياً أشكالاً مختلفة من اكتساب المكانة؛ من المكانة القبلية والدينية إلى المكانة العلمية والتجارية، وخلال العقود الأخيرة أضيفت إليها أشكال جديدة مرتبطة بالظهور الإعلامي والانتشار الرقمي، وفي ظل تراجع الفرص الاقتصادية وصعوبة الصعود الاجتماعي عبر التعليم أو العمل المنتج بالنسبة لقطاعات واسعة من الشباب، أصبحت الشهرة السريعة واحدة من الوسائل المتاحة لاكتساب الاعتراف الاجتماعي.
ولهذا لم تكن الفوهة البركانية مجرد موقع جغرافي، بل تحولت إلى مسرح لإنتاج المكانة والمباهاة أمام الآخرين، فالشاب الذي ينزل إلى الهاوية يكتسب شهرة، ومن يكتب اسمه هناك يشعر بأنه شارك في مغامرة استثنائية، وهكذا تتداخل الحاجة الاقتصادية مع الحاجة إلى الاعتراف الاجتماعي داخل دورة واحدة تغذي نفسها باستمرار.
أما على مستوى الدولة، فتظهر الحادثة جانباً من أزمة إدارة المجال العام في اليمن، فالفوهة كانت معروفة، والنشاط المرتبط بها كان متداولاً، والصور ومقاطع الفيديو كانت تصل إلى آلاف المتابعين، ومع ذلك استمر الأمر لفترة طويلة دون إطار واضح للتنظيم أو الحماية أو المنع، فلا قيمة للفرد بالنسبة لدولة كاليمن لا تقوم على المواطنة، خصوصاً اليمن اليوم في وضعها المعروف منذ ما يقارب عشر سنوات من الحرب والانقسام والحصار، وأولويات تمويل الجبهات، على حساب تنظيم الأنشطة السياحية والرياضية والفنون وغيرها مما تصبح في لحظة الحرب والجوع كماليات!
وفي ظروف كهذه تُترك مساحات واسعة من الحياة الاجتماعية والاقتصادية للمبادرات الفردية، ولهذا تحولت الفوهة إلى فضاء مفتوح للنشاط دون معايير سلامة أو تجهيزات إنقاذ أو إشراف مؤسسي قادر على تقليل المخاطر، كما غابت الرؤية التي كان يمكن أن تحول الموقع إلى مرفق سياحي أو بيئي منظم يتيح الاستفادة منه في رياضة التسلق ضمن شروط تضمن السلامة.
في العموم تكشف حادثة مقتل القعقاع عن التقاء ثلاثة مسارات تاريخية واجتماعية في نقطة واحدة خلق هذه المأساة ومستمر في خلق غيرها دون توقف في مجالات وأنشطة مختلفة، مسار اقتصادي أنتج كتلة واسعة من الشباب الباحثين عن مصادر دخل خارج القطاعات الإنتاجية المنظمة، ومسار ثقافي نفسي منح المخاطرة والاستعراض قيمة رمزية متزايدة داخل الفضاء الرقمي، ومسار مؤسسي تراجعت فيه قدرة الدولة على تنظيم المجال العام وإدارة المخاطر.
ولهذا فإن الحادثة تتجاوز المأساة الفردية؛ فهي صورة مكثفة لواقع اقتصادي واجتماعي يمني يتم بالتخلف والتبعية والعشوائية، يدفع بعض الشباب إلى تحويل أجسادهم ومخاطرهم الشخصية إلى وسيلة للعيش، فيما تتحول الهاوية نفسها إلى سوق للرزق والشهرة والاعتراف الاجتماعي والترفيه والمتعة.

أترك تعليقاً

التعليقات