مستجدات الصراع اليمني -السعودي بعد قصف «أرامكو»
- أنس القاضي الأثنين , 27 يـولـيـو , 2026 الساعة 12:11:37 AM
- 0 تعليقات

أنس القاضي / لا ميديا -
اتساع المواجهة لتشمل منشآت الطاقة
بدأ التصعيد الجديد بمعادلتين محددتين، «المطار بالمطار» بعد استهداف مطار صنعاء والرد على مطار أبها، ثم «الحصار بالحصار» بعد إعلان استهداف السفن المرتبطة بالموانئ السعودية، ثم جاء العدوان على الحديدة لينقل الاشتباك إلى معادلة ثالثة: استهداف البنية النفطية السعودية مقابل قصف العمق اليمني، ويرفع المستجد هذا كلفة الحرب.
واقعياً، تتطلب قراءة نتائج العمليتين الفصل بين القدرة على الوصول والأثر الاقتصادي الفعلي، فاليمن امتلكت الشجاعة لقصف «أرامكو»، وامتلك التقنية العسكرية للوصول إلى الحدث، وحتى الآن هذا انتصار سياسي، ولكنه غير مكتمل؛ فالقيمة الاستراتيجية للعمليات ستتحدد بقدرة العمليات اليمنية على على التأثير العميق في حركة التجارة والتامين السعودي، وحين يتحول الضغط على الاقتصاد السعودي ذاته، فحتى الآن توقف النفط عن السوق الآسيوية يحمل الدول الآسيوية الخسارة أكثر من المملكة ذاتها، وحتى الآن هناك مؤشرات يومية على تجنب السفن الذهاب إلى السعودية أي أن الأثر الاقتصادي بدأ يتراكم تدريجيا، أما البعد السياسي والإعلامي والسمعة السعودية فقد تحقق مع أول النيران المتصاعدة من «أرامكو».
المقاربة السعودية
اختارت السعودية الرد الجوي على الحديدة بعد دخول الحصار البحري حيز التنفيذ واستهداف ناقلاتها في البحر الأحمر، وجاء العدوان على الحديدة وكمران ضمن محاولة استعادة الردع وحماية صورتها أمام شركات الملاحة وحلفائها، وفي الوقت نفسه وسع المرتزقة الحديث عن استهداف طيرانهم المزعوم مأرب والجوف، وفق ما نقلته «رويترز» عن مسؤولين تابعين للمرتزقة، وعقد سلطان العرادة في مأرب اجتماعاً عسكرياً موسعاً مع وزير دفاع المرتزقة ورئاسة الأركان، بالتزامن مع حشد متبادل على الجبهات.
تكشف هذه التحركات إعداد السعودية أدواتها المحلية للمشاركة في الضغط العسكري، سواء بإسناد الغارات إليها إعلامياً أو باستخدامها في هجمات برية محدودة إذا استمر التصعيد، كما يؤدي خطاب التعبئة الصادر عن حكومة المرتزقة وظيفة سياسية، تتمثل في تقديم التحركات السعودية باعتبارها استجابة لطلب طرف يمني، وإخفاء موقع المملكة بوصفها الطرف الذي يمتلك قرار القصف والتصعيد.
ما زالت الرياض تضبط سقف عملياتها، فقد أعلنت استهداف مواقع إطلاق ومخازن ومنشآت مرتبطة بالعمليات البحرية، وأن عمليتها انتهت محققة التناسب، ونفت استهداف ميناء الحديدة تهرباً من مسؤولية الحصار، وركز خطاب تركي المالكي؛ الناطق باسم تحالف العدوان على التناسب وحماية الملاحة وبقاء الموانئ مفتوحة، وتسمح هذه الصياغة بتنفيذ ضربات إضافية مع تقليل الكلفة السياسية والإنسانية، خصوصاً أن تعطيل ميناء الحديدة سيعيد مسؤولية الحصار إلى واجهة النقاش الدولي، ويضعف صورة المملكة بوصفها حامية للمساعدات.
يحمل إسناد الضربات والتحركات إلى حكومة المرتزقة وظيفة موازية، إذ يعيد تقديم المواجهة بوصفها حرباً بين «حكومة معترف بها دولياً وسلطة مسلحة متمردة وإرهابية داخل اليمن»، حسب تعبيرهم، ويمنح السعودية موقع الداعم الخارجي، كما يتيح تحريك جبهات مأرب والجوف والساحل الغربي لإجبار صنعاء على توزيع قدراتها بين الدفاع الداخلي والضغط البحري والصاروخي، ويظل الاستخدام الأقرب لهذه الجبهات محصوراً في المناوشات ومحاولات التقدم المحدودة، لأن الهجوم البري الواسع يحتاج إلى توافق بين تشكيلات متنافسة، وإسناد جوي ممتد، ونتائج يصعب على الرياض ضمانها.
حجب مسؤولية السعودية
عمل الخطاب السعودي المصاحب للعدوان على فصل التطورات العسكرية عن أسبابها المباشرة، فقدم استهداف الناقلات ومنشآت «أرامكو» باعتباره تهديداً للملاحة وأمن الطاقة، ووضع صنعاء داخل امتداد الحرب الإيرانية الأمريكية، بينما غابت عن التغطية المصاحبة قضايا مطار صنعاء، والرواتب، والموانئ، وخارطة الطريق، والضربات السعودية التي سبقت استهداف جيزان و»ينبع»، وبذلك محيت القضية اليمنية من سياق التصعيد.
يخدم هذا التوصيف موقع الرياض على مستويين، الأول: تحويل عودتها إلى القصف من استئناف للحرب التي تقودها منذ عام 2015م إلى دفاع عن أراضيها ومنشآتها. والثاني: نقل القضية من العلاقة السعودية -اليمنية والتزامات إنهاء آثار الحرب، إلى أمن البحر الأحمر وتدفق النفط العالمي، وعندها يصبح الضغط اليمني على السعودية تهديداً لمصالح دولية أوسع، وتتحول الدول المستوردة للنفط وشركات الملاحة والتأمين إلى بيئة ضغط على صنعاء.
ساعدت أزمة الطاقة الإقليمية على توسيع أثر هذا الخطاب، لأن «ينبع» اكتسبت أهمية أكبر مع اضطراب التصدير عبر مضيق هرمز وتجاوز سعر خام برنت مائة دولار للبرميل، ولهذا أصبحت أي عملية قرب موانئ البحر الأحمر قابلة للتقديم بوصفها سبباً مباشراً لارتفاع الأسعار، رغم أن الأزمة نتجت عن تداخل الحرب الأمريكية -الإيرانية، واضطراب هرمز، وتراجع نشاط المصافي الآسيوية، والأضرار التي أصابت قطاع التكرير الروسي، وجاء استهداف المنشآت السعودية داخل هذه الأزمة، لكنه أضاف مصدراً جديداً للخطر على مسار بديل تعتمد عليه المملكة لتصدير النفط.
الموقف الأمريكي
رفع تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مستوى الانخراط السياسي الأمريكي، لأنه ربط تكرار استهداف المصالح النفطية السعودية برد عسكري محتمل على اليمن وإيران، وبذلك توسعت عتبة التدخل من حماية السفن والقوات الأمريكية إلى حماية صادرات دولة حليفة ومنشآتها، وقد نقلت «رويترز» إدانة ترامب للهجمات وتهديده برد شديد على صنعاء وطهران، في سياق تتداخل فيه جبهة البحر الأحمر مع الحرب الأمريكية الإيرانية.
يبقى المسار الأمريكي الأقرب قائماً على تعزيز الاستطلاع وتبادل المعلومات ودعم الدفاعات الجوية والبحرية السعودية، مع إبقاء التهديد العسكري أداة لردع صنعاء عن توسيع الحظر، وتتوقف ترجمة هذا التهديد إلى ضربات مباشرة على حجم الأضرار التي تلحق بمنشآت النفط والصادرات السعودية، ومدى تعرض المصالح الأمريكية للخطر، وقدرة واشنطن على حشد غطاء دولي يقدم العمليات اليمنية بوصفها امتداداً مباشراً للحرب الإيرانية.
الدور «الإسرائيلي» المحتمل
تستفيد «إسرائيل» من إعادة ربط صنعاء بإيران وتحويل باب المندب إلى جزء من الحرب الإقليمية، لأن ذلك يخفف الطابع اليمني -السعودي للمواجهة، ويوسع قاعدة الدول المستعدة للمشاركة في حماية الملاحة والضغط على صنعاء، ويتجه الدور «الإسرائيلي» الأقرب إلى تقديم المعلومات الاستخبارية، والمساعدة في تحديد مواقع الإطلاق والقيادات والبنية الصاروخية، ودعم مراقبة البحر الأحمر، مع تشجيع واشنطن على تشديد الضغط العسكري.
ترتبط المشاركة «الإسرائيلية» المباشرة باتساع العمليات نحو أهداف «إسرائيلية»، أو تعثر الغارات السعودية في الحد من الهجمات، أو اتخاذ قرار أمريكي -»إسرائيلي» بإدارة جبهة اليمن ضمن الحرب على إيران، وحتى ذلك الحين تمنح المواجهة الحالية «إسرائيل» فرصة لاستنزاف قدرات صنعاء وإشغالها بالجبهتين الداخلية والسعودية، من دون تحمل كلفة تدخل عسكري مباشر جديد.
مسار الوساطة
تتحرك الوساطة العُمانية والأممية داخل وضع أكثر تعقيداً من الجولات السابقة، لأن مهمتها تجمع بين وقف الضربات المتبادلة ومعالجة القضايا التي أعادت إنتاج المواجهة بعد ثلاث سنوات من خفض التصعيد، وفي مقدمتها مطار صنعاء، والرواتب، وعائدات النفط والموانئ، والأسرى.
نظرياً، يمكن التوصل إلى توقف مؤقت للعمليات عبر تعهد سعودي بوقف الغارات، مقابل تعليق صنعاء استهداف السفن والمنشآت النفطية، لكن بقاء هذه الملفات معلقة سيجعل التوقف هدنة عسكرية جديدة قابلة للانهيار عند أول إجراء يغير الوضع القائم.
تمتلك عُمان قدرة على نقل الرسائل وصياغة تفاهمات جزئية، ويستطيع المبعوث الأممي توفير الغطاء الدولي، أما التسوية الفعلية لحل القضية الشاملة فتحتاج إلى قرار سعودي بقبول التخاطب المباشر مع صنعاء وتحمل الالتزامات الناتجة عن الحرب، بينما تحاول الرياض الجمع بين التفاوض المباشر عند الحاجة وتقديم الأزمة خارجياً بوصفها صراعاً يمنياً داخلياً، وبوصفها وسيطاً، ويتيح هذا التناقض للسعودية إدارة التهدئة مؤقتاً، لكنه يعطل الاتفاق النهائي، لأن الطرف الذي يمتلك قرار الحرب والحصار يقدم نفسه وسيطاً، فيما تفتقر حكومة المرتزقة إلى القدرة على تنفيذ اتفاق يتعلق بالموانئ والمطارات وعائدات النفط من دون موافقة سعودية.
يتوقع أن تركز الوساطة خلال المرحلة القريبة على منع استهداف منشآت «أرامكو» ووقف الغارات على اليمن، مع احتمال تقديم خطوات محدودة تتعلق بالرحلات الجوية أو الأسرى أو حركة الموانئ، وقد تستخدم السعودية إعلان استئناف تصدير النفط ورقة تفاوضية، إما بعرض تخصيص جزء من الإيرادات للرواتب وفق ترتيبات متفق عليها، وإما بالمضي في التصدير ودفع صنعاء إلى منعه، ثم استثمار العملية سياسياً وإعلامياً، ويتحدد معنى الإعلان بالطريقة التي ستدار بها العائدات، فإذا شملت جميع الموظفين تحول إلى مدخل للتهدئة، أما تصدير النفط لمصلحة حكومة المرتزقة وحدها فسيصبح جزءاً من أدوات التصعيد.
في العموم لايزال مسار التصعيد هو القائم واحتمالات السلام ضعيفة مع تنكر السعودية لمسؤوليتها، وحشد الرأي العام الدولي، وما تظهره من خطاب عدواني على ألسن مرتزقتها.
ملاحظة أحدث الأخبار صباح أمس الأحد: تصريح من ترامب بوقف القصف على إيران مثل هذا الخبر قد يعني تهدئة للوضع في الإقليم عموماً بما في ذلك اليمن، ومن جهة أخرى قد يعني تحويل الولايات المتحدة ثقلها العسكري من هرمز إلى باب المندب.










المصدر أنس القاضي
زيارة جميع مقالات: أنس القاضي