إيران ستنتصر.. حرباً أو سلماً
 

إيهاب زكي

إيهاب زكي / لا ميديا -
إيران دولة صلبة ومقتدرة، وليست بيتاً من قش تستطيع الولايات المتحدة إشعال طرفه فيحترق، كعادة أمريكا في استهداف الدول الهشّة. لذلك لم تخضّ أمريكا حرباً حقيقية مع خصمٍ مثل الجمهورية الإسلامية في إيران.
كانت أمريكا، قبل العدوان على أيّ دولة، تبدأ إعلامياً باتهام نظامها بأنّه متعفن وفاسد وعلى وشك الانهيار. كما فعلت مع حكومة مصدّق في إيران، في العام 1953، وكذلك فعلت مع حكومة سلفادور أليندي في تشيلي في العام 1970، حين اتهمتها بالفساد والتعفن قبل الانقلاب. لقد حاولت ذلك مراراً مع إيران، وإطلاق التنبؤات بانهيار النظام على مدار الأعوام، لاسيما منذ الأعوام: 2002 و2006 و2018 و2022، ومؤخراً العام 2025.
لكن ما حدث أنّ النظام لم يسقط، بل ازداد ويزداد تماسكاً وصلابة مع مرور الوقت، ويكتسب تجربةً ومراساً مع كل محاولةٍ لإسقاطه، فتضيف إلى رصيده منعةً ورسوخاً. وصلت ذروة الاكتساب في عدوان الأيام الـ12، فكانت تتويجاً لتجربةٍ طويلةٍ من الاعتداءات المتواصلة، والتي جعلت في إيران نظاماً صعب المراس، وهو في طريقه لكشف تعفن النظام الأمريكي، التعفن الذي طالما رمت به أمريكا الأنظمة التي أسقطتها وانقلبت عليها.
ما نراه من تحشيد أمريكي لا ينمّ عن قدرةٍ وقوة، بقدر ما يوحي بالرهبة والضعف. ذلك لأنّ كل هذه الحشود هي محاولة لدرء خطر الردّ الإيراني؛ فقد نشرت الولايات المتحدة عشرات الأنظمة الدفاعية، مع ذلك ما يزال التردد سِمتها الغالبة. ولو كانت تثق بنتائج قوتها وقدرتها لما كانت خطواتها نحو الحرب متثاقلة حدّ التجبّن.
لقد كان كلام الإمام الخامنئي في إيران عن «تحوّل أيّ عدوانٍ عليها إلى حربٍ إقليمية»، زيادةً في منسوب التجبّن الأمريكي؛ لأنّ هذا في أول ما يعنيه هو استهداف الكيان المؤقت، والذي سيتحول إلى نقطة ضعفٍ أمريكية، لا إلى حليفٍ مساند.
ليس المطلوب من إيران إزالة الكيان المؤقت، بل يكفي إمطاره بوابلٍ من الصواريخ على مدار الوقت، بشكلٍ تبدو معه الولايات المتحدة عاجزةً عن حمايته، فضلاً عن عجز الكيان عن حماية نفسه، حتى تطلّ بوادر انهيار العالم القديم برأسها.
تعيش الولايات المتحدة، لا إيران، لحظةً فارقة ومصيرية، فمصيرها كقطبٍ واحدِ على المحك، إن أحجمت عن العدوان تحت أيّ بندٍ يزيّن الانهزام، ستضطر للاعتراف بما يترتب على ذلك من ميزان قوة، وستخرج إيران قوة إقليمية معترفاً بها، بكل ما لذلك من تأثيرات في جغرافيا النفوذ في المنطقة.
أمّا إن أقدمت على العدوان فستكون الخسائر أكثر وأشد وطئاً على نظام القطب الواحد؛ لأنّ إيران تمتلك قدرةً هائلةً على إطالة أمد الحرب. هذا سيجعل النتيجة محسومة لمصلحة من يصمد أكثر. في هذا النوع من الحروب، والذي يكون فيها مصير الأمم والشعوب على المحك، لا مجال إلّا للصمود، حتى لو أنّها لا تمتلك إلّا دمها ولحمها، وليست غزة عنّا ببعيدة.
هذا مع الأخذ بالحسبان أنّ لا إمكانات دفاعية أو هجومية في غزة، لمقارنتها مع إمكانات إيران، والتي تمتلك أسباب القوة كلها، من الصواريخ بكل أنواعها التقليدية والفرط صوتية إلى المسيّرات وأسطول البحر ومضيق هرمز، وصولاً إلى القدرات السيبرانية، وكل ما لا نعرفه عمّا تخبئه إيران، ما قد يفاجئ العدو قبل الصديق.
إنّ ترامب، والذي يبحث عن انتصارات استعراضية سهلة، كما حدث في فنزويلا، أُسقط في يده حينما اصطدم بحقيقة أنّ إيران ليست فنزويلا. لذلك يردد دائماً: «حشدنا حول إيران أكثر من حشدنا حول فنزويلا»، وكأنّه يواسي نفسه بأنّه ما يزال بالإمكان الحصول على نصرٍ سهل، من دون التورط مع دولةٍ مصممة على جعلنا ندفع ما لا طاقة لنا به.
في النهاية، ستنتصر إيران، حرباً أو سلماً؛ ولكن انتصارها سلمياً سيكون أفضل كثيراً بالنسبة إلى ترامب؛ إذ سيُجنّب أمريكا اختباراً حقيقياً في حربٍ حقيقية، وسيُكسب الإمبراطورية المتهالكة المزيد من الوقت، لترتيب أوضاعها في عالم ما بعد القطب الواحد؛ ولكن السؤال الفعلي: هل هذا خيارٌ ممكن؟

أترك تعليقاً

التعليقات