الكيان المؤقت وذبح البقرة المقدسة
 

إيهاب زكي

إيهاب زكي / لا ميديا -
يرضخ جيش العدو الصهيوني حالياً لضغوط هائلة لتوريطه في أجندات سياسية. هذا “الجيش” الذي صنَّعوا له “دولة”، أصبح عاجزاً عن حمايتها عسكرياً، وتبدو المعادلة أكثر وضوحاً كلما تصاعدت أعمال المقاومة؛ نضب مخزون المجندين خشية الموت، وكلما ازداد الخلاف السياسي تعمّق الشرخ في “الجيش” ذاته، وبين الجيش والساسة، ويبدو أنّ كيان العدو يذبح بقرته المقدسة (الجيش) ببطء؛ لكن مع صراخٍ متسارع.
بقرة “إسرائيل” المقدسة، جيشها الذي نبَتَت له “دولة”، يعيش حالةً غير مسبوقة من التآكل، ويعاني الكثير من المشاكل والمعضلات، التي ستجعله عاجزاً عن القيام بمهامه، وهي المشاكل والمعضلات التي لا تزال تؤرق صناع القرار في الكيان المؤقت، وتجعل مراكز البحث والدراسات في حالة تيهٍ وابتعاد عن إيجاد الحلول الشافية.
تناول الإعلام العبري في الآونة الأخيرة بعض الأزمات التي يعانيها هذا الجيش، وهي أزماتٌ على كل المستويات تقريباً، السياسية والنفسية والعملياتية والجهوزية؛ لكنه رغم إضاءاته مع المسؤولين والباحثين لم يطرح حلولاً ناجعة لكل تلك المعضلات.
وقد أتى نجاح نتنياهو ليضيف أزمة جديدة للأزمات المعقدة للجيش، حيث إنّ حكومته المنويّ تشكيلها، بخلاف تأثيرها السياسي على الجيش ومحاولة إقحامه في مربع الخلافات والصراعات السياسية، فإنّها حسب قوانين الجيش وأعرافه، لا يتمتع أفرادها بالمناقبية المناسبة حتى يذهب الجيش لتنفيذ أوامرها طائعاً، وليست بشخصياتٍ تتمتع بالأخلاقية اللازمة -حسب الأدبيات الصهيونية- لتكون محط ثقة الجيش، جنوداً وقادة.
في صحيفة “هآرتس” العبرية -مثلاً- يقول الكاتب أمير أرون إن “نتنياهو يمكن أن يدمر دعم (الصهاينة) للجيش، مثلما فعل صديقه ترامب بدعم الجيش الأمريكي. يمكن أن يطير الطيارون لمهاجمة إيران - وهذا أيضاً غير مضمون، ومرهونٌ باقتناعهم بأنّ الطلعة مبررة، ولا تهدف فقط إلى إنقاذ نتنياهو من السجن؛ ولكن الكثير من احتياط البر سيتململون ويتملصون”. ويضيف: “إنّ خطة بن غفير بتوجيه سرايا حرس الحدود إلى النقب، ستنزع من القيادة الوسطى وحدات محترفة، وستضطرها لتجنيد كتائب أقل نجاعة وأقل حماسة (...) وستؤجج رفض الخدمة، الجنود سيرفضون أن يكونوا روبوتات وغوييم، فالوحيدون الذين سيواصلون هزّ أذيالهم دون اعتراض هم كلاب وحدة عوكتس”.
كذلك هناك المعضلة العملياتية ومشكلة الجاهزية، فيقول الكاتب الصهيوني ومحلل الشؤون العسكرية رون بن يشاي، لصحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية، إنّ “جزءاً كبيراً من الجيش البري النظامي، يُستثمر حالياً في عمليات أمنية بالضفة الغربية، وذلك يأتي على حساب التدريبات التي لم ينفذها، وهذا يلحق ضرراً مباشراً بجاهزية الجيش للحرب، سواءٌ في لبنان أو في ساحاتٍ أخرى، ففي حال حصول تصعيد وتدهور إلى حربٍ على عدة جبهات، لن يكون الجيش جاهزاً للتعامل مع هكذا تصعيد”. وأضاف أن “التصعيد الحاصل في الضفة الغربية سيمنع الجيش من استكمال تدريباته، ولن يتدرب في المستقبل، على وقع التصعيد المستمر في الضفة”.
وهناك المشكلة النفسية التي يعاني منها المجندون، الذين يسارعون للتهرب من التجنيد (نساءً ورجالاً)، ويلجأ هؤلاء إلى سبيلين رئيسيين للتهرب من التجنيد: الأول هو: ادعاء التديّن، حيث إنّ المتدينين معفون من الخدمة العسكرية، رغم أنهم علمانيون. أمّا الثاني فهو: ادعاء عدم اللياقة النفسية، ويضطر الجيش للتعامل بحذر مع هذه الحالة وبتجاوبٍ كبيرٍ أحياناً، وذلك نظراً لارتفاع حالات الانتحار في أوساط المجندين.
ويحاول أثرياء المجتمع الصهيوني ضمان تجنيدٍ مريحٍ لأبنائهم بعيداً عن العمل الميداني، بحيث يقتصر على العمل المكتبي أو التكنولوجي. كذلك فإنّ تصاعد أعمال المقاومة يضغط نفسياً على الشباب في سن التجنيد، حيث يخافون الموت ولا يريدون فقدان الحياة، وهذا جزءٌ من التكوين اليهودي أولاً، كما أنّه شاهدٌ على فقدان الحافزية.
تُعتبر البقرة المقدسة (الجيش) في كيان العدو هي الجدار الأخير للحماية، وهي آخر ما لديهم من المؤسسات الجامعة. ويرضخ حالياً هذا الجيش لضغوطٍ هائلة لتوريطه في أجندات سياسية، كما قال رئيس أركان العدو الصهيوني أفيف كوخافي، حيث قال محذراً: “لن نسمح لأيّ رجلٍ سياسي، لا من اليمين ولا من اليسار، بالتدخل في قرارات قيادية، واستغلال الجيش لأجندات سياسية”.
إنّ الجيش الذي صنَّعوا له “دولة”، أصبح عاجزاً عن حمايتها عسكرياً، كما يتجه ليصبح عاجزاً عن صهرها اجتماعياً. وتبدو المعادلة أكثر وضوحاً مع الوقت، فكلما تصاعدت أعمال المقاومة، نضب مخزون المجندين خشية الموت، وكلما ازداد الخلاف السياسي، تعمّق الشرخ في الجيش ذاته، وبين الجيش والساسة. ويبدو أنّ كيان العدو يذبح بقرته المقدسة ببطء؛ لكن مع صراخٍ متسارع.

أترك تعليقاً

التعليقات