إيهاب زكي

إيهاب زكي / لا ميديا -
كالمستجير من الرمضاء بالنار. هذا هو حال ترامب، الذي يقفز بين القرارات كأنّها الحبال بين أشجار الغابة. ينتقل من النقيض إلى النقيض، في أوقاتٍ قياسية. وليس هذا سوى دليل آخر على الإحباط وانعدام الخيارات. وهذا تقييمٌ بعيدٌ عن الحالة الذهنية للرئيس الأمريكي، الذي ما انفكّ يقدم الأدلة المتلاحقة على حاجته الملحّة لمصحٍ عقلي.
في هذا السياق يأتي قرار فرض حصارٍ على مضيق هرمز، بعد أن وافق قبله على وقف إطلاق النار، على أمل فتحه، إذ يُعتبر قرار ترامب فرض حصارٍ على مضيق هرمز هو النقيض تماماً لهدف فتحه. ولا يمكن التعامل مع هذا النوع من القرارات سوى أنّها من مخرجات العجز، فلا يمكن اتخاذ قرارٍ يحمل عوامل فشله بداخله، سوى أنّ من قرّر أدرك أنّه وصل إلى الطريق المسدود.
لم تكن مغادرة الوفد الأمريكي إسلام أباد مجرد فشل للجولة الأولى من التفاوض، بل تحمل في طياتها خيبة أملٍ عظيمة، حين الانتقال من عالم الأمنيات، إلى الاصطدام بعالم الواقع، إذ فوجئ المفاوض الأمريكي بأنّ هناك عالماً حقيقياً منافياً تماماً لعالم منصة «تروث سوشيال» الخاصة بترامب، وأنّ الوقائع لا تصنعها الأمنيات والكتابات على مواقع التواصل.
غادر الوفد الأمريكي إسلام أباد وكان من الواضح أنّه لا يعرف ماهية الخطوة التالية، ولا أدَلّ على ذلك من خطوة حصار مضيق هرمز، وهي الخطوة التي بكل ما فيها من صبيانية ونكائية وعبث، اعتبرها صهاينة العرب مطلق القوة ومطلق الذكاء ومطلق العبقرية التكتيكية الحربية، فيما هم ذاتهم من اعتبروا أنّ سيطرة إيران الذكية على المضيق جريمة ومخالفة لكل القوانين والأعراف الدولية.
هذه الخطوة تشبه -إلى حدٍّ كبير- تصريحات مسؤول «إسرائيلي» رفيع، حسب وصف قناة «كان» الصهيونية، حين قال: «نستعد لعودة الحرب على إيران، وهذه المرة سنستهدف كل المشاريع القومية، من كهرباء وطاقة ومياه وغيرها، في سبيل إخضاع إيران؛ لأنّ الرئيس ترامب منعنا من استهداف هذه البنى في الجولة الأولى». وهذا يعطي انطباعاً بالقدرة مع التعفف الأخلاقي، فيما الحقيقة أنها قدرة لكن مع تخوّف من الردّ الإيراني المقتدر، فإيران ليست طرفاً تستطيع أن تعتدي عليه ثم تأمن العقاب.
وهذا بعكس ما يوحي به التصريح أنّ إيران لا تمتلك أوراق قوة، وهو بالمناسبة تصريحٌ مباشر للرئيس الأمريكي، إذ قال تعليقاً على فشل مفاوضات باكستان: «إنّ إيران لا تمتلك أوراق قوة»، فيما هو -الذي يعتقد أنّه يملك قوة إلهية خارقة- يلجأ لخطوة حصار مضيق هرمز، وهي الخطوة التي تفتقر لأدنى مظاهر القوة، والغنية بكلّ مظاهر البلطجة والقرصنة.
وبخلاف ذلك هي خطوة شديدة التواضع، مقارنة بأهداف ترامب، التي أعلنها وشنّ من أجلها العدوان على إيران، وهي إسقاط النظام وتدمير البرنامج النووي وتدمير البرنامج الصاروخي والإتيان بدميةٍ تحكم إيران نيابةً عنه، ثم ينتهي به المطاف إلى ناطور سفن. ولشدّة توحله في الهزيمة، يقوم بتصوير وظيفة ناطور السفن بالنصر المطلق. والأسوأ بالنسبة له سيكون الفشل في هذه الوظيفة.
والحقيقة أنّ تصرفات ترامب العشوائية تشبه إلى حدٍّ كبير تصريحات قائد القوات الشعبية في أوغندا ونجْل رئيسها، الذي توعّد إيران بإعلانه الاستعداد لإرسال مئة ألف جندي لحماية «إسرائيل»، فيما جيش أوغندا تعداده 45 ألف جنديٍ فقط، وكان سابقاً قد عرض الزواج على رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني مقابل مئة بقرة، وإن رفضت سيقوم باحتلال روما.
والفرق الوحيد بين ترامب وهذا الكائن الأوغندي هو أنّ ترامب رئيس إمبراطورية عظمى، لذلك فإنّ تصريحاته وتصرفاته تُكتب عنها المقالات وتتصدر صفحات الجرائد وتُعقد لها حلقات النقاش وبرامج التحليل وتشغل مراكز الأبحاث، بينما لا أحد يسمع ببطولات ومغامرات نجل الرئيس الأوغندي، وإن سمع بها أحدٌ فتصبح مدعاة للتهكم والسخرية.
في النهاية فإنّ هذه الحرب على الأرجح لن تنتهي بمنطق رابح رابح كما يحاول الإيرانيون؛ لأنّ ترامب سقط في فخ التصعيد، ورغم إدراك كل المتابعين أنّه خسر الحرب، إلا أن لديه من النرجسية والغرور والصلف ما يمنعه من تقليل الخسائر والاعتراف بعجز القوة. ومن المفارقات أنّ استمرار الحرب سيجعله يخسر الانتخابات، فيما سترفع حظوظ تابعه نتنياهو الفوز بانتخاباته. إذن، فليس السؤال: من سينتصر؟ بل متى وكيف ومن سيقنع ترامب بأنّه هُزم؟!

 كاتب وباحث فلسطيني في الشؤون السياسية

أترك تعليقاً

التعليقات