ثمن المعرفة
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
هناك شيء لا يخبرك به أحد عن الاستيقاظ.
لا أحد يحذرك مما يحدث عندما ترى الكثير بسرعة كبيرة.
لا أحد يشرح أنه عندما تبدأ في النظر إلى العالم من خلال عدسة جديدة، ستجد فخاخاً لا حصر لها تنتظرك؛ جحورا مصممة للتضليل، ومسارات تؤدي إلى الانفصال.
عندما تستيقظ لأول مرة، تفتقر إلى التمييز. ليس لديك أي ضوابط. كل فكرة تصدمك بقوة: الجيدة منها والسيئة والمضللة.
بالنسبة للكثيرين، لا يقتصر الاستيقاظ على الحب والنور وأشعة الشمس وقوس قزح؛ بل قد يكون أشبه بشيء يمزقك من الداخل؛ ولادة جديدة لم تطلبها، ولست مستعداً لها.
لماذا؟ لأنه بمجرد أن تنظر خلف الستار، بمجرد أن ينهار الوهم، بمجرد أن يظهر ذلك الشق الأول، لا يمكنك أبدًا أن تتجاهله، لا يمكنك العودة إلى الشخص الذي كنت عليه في السابق.
ربما كنت تعتقد أن «الجهل نعمة» مجرد قول مأثور، لكنك لا تدرك أنها مرحلة تتركها وراءك إلى الأبد.
إنه نوع غريب من الحزن: فقدان عالم لم يكن موجوداً في الواقع، ومع ذلك كان يعني لك شيئاً.
إذن، ماذا يحدث؟ ما هي التكلفة الحقيقية لكشف الحقيقة؟
تدفع ثمن رؤيتك الجديدة بالعالم الذي اعتدت أن تعيش فيه، وهو ثمن يتسلل ببطء وبشكل غير متوقع.
غالباً ما يبدأ الأمر بشكل غير ضار: تبدأ بالبحث في نظريات المؤامرة، والقانون الطبيعي، والخيمياء، والتاريخ الخفي، والرمزية الخفية، وتقاليد الغموض... دعنا نقول فقط، مواضيع تتعلم أن تصمت عنها أمام الناس «العاديين».
وبصراحة، هناك متعة في ذلك، تلك الإثارة المتمثلة في الكشف عن السيناريو الحقيقي وراء العالم، حقائق لا يبدو أن أحداً آخر يفهمها.
لكن تحت هذا الحماس، يتجذر شيء أكثر قتامة، شيء لا تدركه في ذلك الوقت.
يبدأ الأمر بالفضول: دافع لفهم كيفية عمل الأشياء حقًا، بأي وسيلة ضرورية.
إن المجهول مغرٍ؛ فبمجرد أن تنغرس بذرة المؤامرة، يصبح الهروب منها مستحيلاً.
تبدأ الأسئلة بإبقائك مستيقظاً طوال الليل، مدفوعة برغبة ملحة في الحصول على إجابات:
لماذا يبدو العالم غريباً جداً؟ ما هي الحقيقة؟ لماذا يتصرف الناس بالطريقة التي يتصرفون بها؟ لماذا يبدو الكثير من جوانب الحياة خاطئاً؟
لذا، تغوص في الأمر: تقرأ، تشاهد، تستمع. تقضي ليالي طويلة وصباحات مبكرة في استيعاب المعلومات وأشكال مختلفة من المعرفة، الساعات التي تستثمرها قد تؤهلك للحصول على درجة الدكتوراه من أي جامعة.
متاهات لا نهاية لها، فكرة تقود إلى أخرى، وروابط تظهر، لكن دون إجابات قاطعة. مجرد المزيد من الأسئلة، والمزيد من المتاهات، والمزيد من الأفكار.
في البداية، يبدو الأمر مذهلاً. كأنك حصلت على خريطة سرية لا يعرف أحد بوجودها. هناك اندفاع حقيقي: تشعر باليقظة، «الاستيقاظ»، وكأنك قد انتقلت on.
تتشابك النقاط في كل مكان؛ وتحل الأنماط محل العشوائية؛ وتتكشف المصادفات. وبطريقة خفية، يتسلل إليك شعور بأنك مختار، ليس بغرور في البداية، بل أشبه بـ»لماذا أرى هذا بينما لا يراه أحد غيري؟» إنه يجعلك تشعر بأنك مميز، بطريقة ما.
كنت أجد نفسي مستيقظاً في الساعات الأولى للسحر، أستمع إلى المحاضرات، وأحاول فهم الأمور، مقتنعاً بأن العالم أصبح أخيراً منطقياً.
ثم تخرج في اليوم التالي... وتشعر بانفصال تام عن كل من حولك. عندها يبدأ التحول.
تدريجياً، يتحول الإدراك إلى عزلة، إنه أشبه بالخروج من كهف أفلاطون: عندما تغادر منزلك، تتوقف عن رؤية الناس وتبدأ في رؤية البرامج.
في المحادثات، لا تسمع أفراداً، بل تسمع نصوصاً جاهزة: معتقدات معاد تدويرها من الآباء أو الثقافة أو السياسة أو التنشئة الاجتماعية.
أنت تصنف الناس ذهنياً إلى نماذج نمطية، كما لو كانوا كائنات غريبة لا يستطيع أحد غيرك فك رموزها.
بمجرد أن تلاحظ الأنماط، لا يمكنك تجاهلها. في البداية، يبدو الأمر وكأنه وضوح. لكن بالنظر إلى الوراء، يتضح أنه ليس وضوحاً، بل هو بُعد آخر للغموض.
تتوقف عن التواصل مع الناس وتبدأ بمراقبتهم.
أثناء سيرك في الشارع، تشعر وكأنك محاط بشخصيات غير قابلة للحياة.
بدلاً من التعاطف، يتراكم الإحباط، ثم الانزعاج، ثم الاستياء.
تتسلل الأفكار إلى الذهن: «كيف لا تستطيع أن ترى ما وراء هذا؟».
«كيف لا تزال تهتم بهذه الأمور التافهة؟».
«ما مدى غبائك؟».
«كيف يمكنك الاستمرار وكأن كل شيء طبيعي؟».
هذا هو الوقت الذي تتجاوز فيه الخط، غالباً دون أن تدرك ذلك.
ظاهرياً، يبدو السعي وراء المعرفة بمثابة صحوة روحية. إذ يكتسب المرء حقائق خفية، فيربطها بالنمو الروحي. لكن في الحقيقة، إنها بداية الانعزال الاجتماعي.
أنت تحب الإنسانية بشكل مجرد، لكنك تجد صعوبة في حب الإنسان الواقف أمامك مباشرة.
تريد أن توقظ العالم، لكنك لا تتحلى بالصبر الكافي تجاه الناس الحقيقيين.
هكذا يتسرب السم: تدريجياً، متخفياً في صورة بصيرة.
كلما تعلمت أكثر، كلما شعرت بالوحدة أكثر.
كلما رأيت أكثر، قل ارتباطك بالعالم الخارجي.

أترك تعليقاً

التعليقات