مستقبل الوجود الأمريكي في المنطقة
 

د. مهيوب الحسام

د. مهيوب الحسام / لا ميديا -
لا تزال أمريكا، الدولة العظمى، باقية، وتعيش نهايات خريفها. هي أمريكا الإمبراطوية، والكل يدرك هذا التهاوي، ليس على مستوى الخارج، بل على مستوى الداخل الأمريكي، وشعار ما تسمى حركة «ماجا» (MAGA) التي تأسست في يونيو 2015، والتي هي اختصار للحروف الأولى من عبارة (Make America Again Great)، أي «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى»، وهي عبارة سبق واستخدمها رونالد ريغان ثم بيل كلنتون في حملتيهما الانتخابيتين، ولكن ترامب والحركة حوّلوها من شعار انتخابي إلى مبادئ سياسية سُميت بالـ«ترامبية»، ومنها «أمريكا أولاً»، وحماية الاقتصاد، ومناهضة المؤسسات التقليدية والحروب، وترسيخ القيم المحافظة.
ومع هذا فإنه لم يتحقق شيء من هذه «المبادئ الترامبية»، إذ بدأ عهده الثاني بإشعال الحروب الاقتصادية، وبدأ بحلفاء أمريكا ثم اتجه للمعارك الحربية المباشرة، ونجح باختطاف الرئيس الفنزويلي «مادورو»، وأخفق وفشل في حربه العدوانية المباشرة التي أعلنها وبشراكة الكيان الصهيوني وبعض أنظمة كيانات الخليج الأعرابية على الجمهورية الإسلامية في إيران، وفشل واضطر أن يعلن وقف إطلاق النار في جولاتها الثلاث دون أن يحقق هدفاً واحداً من أهداف حربه العدوانية المعلنة على إيران، فسقطت هيبة أمريكا وقوتها، ليس كإمبراطورية، بل وكدولة عظمى، ووقع ترامب على ورقة تفاهم  بالشروط الإيرانية، وإن حاول التنصل منها لاحقاً فإن هذا لا يقلل من الفشل إن لم نقل الهزيمة، بل يعززها.
والمهم ليس الفشل الأمريكي، على أهميته، والذي قد وقع فعلاً وعرفه العالم كله وهو شاهد عليه، وإنما ماذا بعد؟ وهل يمكن أن تبقى أمريكا بقواعدها العسكرية وليس بعلاقاتها السياسية في المنطقة بعدما تلقت تلك القواعد ضربة قوية من إيران دمرت بمعظمها وتم إخراجها عن الجاهزية؟ أم أنها سترحل بقواعدها العسكرية بعيداً عن المنطقة؟ لأن هذا الفشل الأمريكي له ما بعده ولن يكون الوضع كما قبله، وخصوصاً بعدما غيّرت إيران عقيدتها من الصبر الاستراتيجي إلى الرد المزلزل إلى المبادرة إلى الهجوم حيثما لزم الأمر. وكان تحذير محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، قبل يومين، لأمريكا، من محاولة إعادة بناء قواعدها العسكرية في المنطقة، واضحاً.
وأخيراً، نقول بأن مؤشرات رحيل القواعد العسكرية الأمريكية من المنطقة هي أقوى بكثير من مؤشرات البقاء، والهزيمة العسكرية الأمريكية واضحة ويعززها تحول أمريكا إلى الحرب الاقتصادية على إيران وهي المفروضة عليها منذ أكثر من خمسة وأربعين عاماً. ومن مؤشرات الرحيل القوية انكشاف العجز الأمريكي، سواء اقتصادياً، مع تعاظم الدين العام ووصوله إلى أكثر من 40 تريليون دولار، وزيادة التضخم، وتسليحياً، بعجزها عن التعويض السريع للأسلحة الصاروخية الدفاعية منها والهجومية المستخدمة في الحرب، إضافة لزيادة رفض الرأي العام الداخلي للحرب، وتدنى شعبية ترامب وحزبه... إن تصاعد قوة إيران والمحور يجعل الرحيل أقرب، بمعركة قادمة كبرى فاصلة أو بدونها. والله غالب على أمره.

أترك تعليقاً

التعليقات