ترامب أوروبا لا جرينلاند
 

د. مهيوب الحسام

د. مهيوب الحسام / لا ميديا -
لكي يجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى، يرى ترامب أنه لا بد من الاستحواذ على جل أمريكا الجنوبية وكندا وجزيرة جرينلاند الدنماركية، لتصبح جزءاً من الولايات المتحدة الأمريكية، بجغرافيتها وديموغرافيتها وثرواتها إلى جانب تريليونات نفط الخليج المودعة في البنوك الأمريكية. وفي سلوكيات ترامب وتعاملاته لا فرق بين الدنمارك وغزة فلسطين، ولا بين فنزويلا وكندا، فلا حلفاء ولا قوانين دولية ولا نظام دولي ولا علاقات محترمة بين الدول، ولا اعتبارات لقوة الحق، فحق القوة فقط يجب أن يسود، وأوروبا ظهرت منطقة رخوة لا قيادة معتبرة ولا قوة وهم أقل من سدنة للمعبد الأمريكي.
ومع مرور الوقت لم يعد مقنعاً لترامب الحفاظ على العلاقة مع من لا قوة له، خصوصاً وهو أكثر من يدرك مقدار تراجع أمريكا ومقدار الفجوة التي أصبحت بينها وبين الصين، التي قفزت في غفلة من عين الرصد الأمريكية الغارقة في أفغانستان وترتيباتها لما يسمى «الشرق الأوسط الجديد» تارة و»الكبير» تارة أخرى، ومع هذا فإنه غداً سيعض أنامله من الغيظ غضباً على حلفائه أولاً، فلا هو بالذي سيحقق مصلحة أمريكا، ولا هو بالذي سيبقي على حليف مقرب وإن دفع له أموال شعبه وقدم له ثروات أمته ووالاه وقاتل في صفه، فلم تخدم أمريكا دولة في أوروبا كما خدمتها الدنمارك على حساب أوروبا وهذا هو جزاؤها.
إن كل ما صرح به ترامب علناً من عزمه السيطرة على نفط فنزويلا وعلى جزينلاند وحتى على كندا -إن حصل- مع ثروات أدواته في الخليج، فإنه لم يعد كافياً لإعادة أمريكا عظيمة مرة أخرى، ولذا فإنه لا بد من أوروبا كلها، رغم أنها الخانعة الخاضعة التابعة لأمريكا في الأساس، وهذا دليل على تخبط الإدارة الأمريكية، وأن سلوكها وقراراتها ليست مبنية على خطة مدروسة وإنما تصرفات ارتجالية غير محسوبة، وهي مبنية على ردود أفعال هذه الإدارة على ما تعانيه من عجز عن تحقيق ما وعدت به ناخبيها، بل وعجزها عن وقف التدهور والسقوط الأمريكي الحاصل أمام ناظريها ولجوء الإدارة إلى فرض رسوم جمركية على ثماني دول أوروبية، لعدم تسليمه الجزيرة، هي خطوة ارتجالية أخرى.
لأن فرض الرسوم الجمركية ومزيد منها سيزيد مخاوف الدول الأوروبية وغير الأوروبية من أمريكا وسياساتها، وسوف يزيد مستوى الرفض العالمي للدولار، وأضرار هذه الخطوة على أمريكا أكثر بكثير من منافعها، وإذا ما أرادت هذه الإدارة الترامبية جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى فما عليها إلا محاولة ابتلاع الصين، لأن محاولة ابتلاع أوروبا كلها لن يحقق لها ذلك.
وأخيراً، فإن عقلية هذه الإدارة هي عقلية إسقاط الإمبراطورية الأمريكية بأبهى صورها. أما أجهزة «ستارلينك» فقد أثبتت أنها أعجز عن إسقاط دولة عظيمة كإيران أو نظامها الثوري، وأن أمريكا سترحل من المنطقة، وستبقى إيران وشعوب المنطقة. والله غالب على أمره.

أترك تعليقاً

التعليقات