مفجوع..!
 

ابراهيم الوشلي

إبراهيم يحيى / لا ميديا -
فجأة ازدحمت أمامي الأحداث، فوجدت نفسي حائراً بين موضوعات كثيرة أريد الكتابة عنها هذا الأسبوع، هل أكتب عن سفاهة بني سعود ومسلسلهم المنحط الذي يتطاول على شرف المرأة اليمنية العفيفة الطاهرة؛ في حين يضج الإعلام الأوروبي بفضائح أمراء وأميرات المملكة، أم أكتب عن حقارة حكومة الفنادق وإصرارها على تجويع اليمنيين بأرذل الأساليب كطباعة العملة المزيفة ورفع التسعيرة الجمركية إلى الضِعف دون مبرر، أم أكتب عن انتصارات رجال الرجال وإنجازاتهم الأسطورية في البيضاء ومارب، أم... أم... أم… إلخ.
كل هذه الزحمة تلاشت بلمح البصر حين أجبت على اتصال من أخي الأكبر لا يتعدى الثواني: «أبي الله يرحمه».
انطفأت روحي، واسودت الدنيا من حولي، وبرغم ضوء النهار فإن عينَيَّ لم تريا شيئاً سوى ظلام دامس يرعب القلب، شعرت بالبرد لسبب لا أعلمه، وأصابتني وحشة غريبة.
إن الموت حق علينا جميعاً، ولا باقي بعد فناء كل شيء إلا الله الحي الذي لا يموت، لكنني لا أدري لماذا يصعب على المرء تصديق مثل هذه الأخبار الفاجعة..!
هل هو ألم أم خوف؟ أم خليط من أحاسيس سوداء لا يطيقها القلب ولا تحتملها الروح؟.
تخيفني فكرة أن أبي لن يدخل البيت مرة أخرى، ليقول «السلام عليكم» بذلك الصوت والإيقاع اللذَين لم يتغيرا منذ عرفته.
تخيفني فكرة أنني مجبر على قول «الله يرحمه» كلما تحدثت عن أبي مع أحد.
تخيفني فكرة أنني لا أستطيع تقبيل ركبتيه بعد الآن.
تخيفني فكرة أن محاولات نيل رضاه لم تعد متاحة، وأنني لن أرى نظرة الرضا عني في عينيه بعد الآن.
أعلم أنها حقائق لا مفر منها، لكنني أخاف تصديقها والإقرار بها.
لقد قاسى أبي أشد الآلام والعذابات قبل أن يرحل، إذ فتك المرض الخبيث بجسده النحيل حتى تلوى وجعاً.
أسمعهم يقولون إن العزاء الوحيد في وفاته أنه ارتاح من تلك المعاناة، لكنني رغم هذا مفجوع، ولأول مرة في حياتي أفهم معنى كلمة «مفجوع».
دعوكم من كل ما سبق، إن أكثر ما يعصر القلب أسى وحرقة بعد وفاة أحد الوالدين هو الإحساس بـ»التقصير»، لكن معظمنا للأسف لا يدرك الأمر إلا بعد فوات الأوان، هذا ما أردت أن أخبركم به.
قبل أيام كانت لدي أمنيات كثيرة، واليوم لا أتمنى شيئاً سوى أن يسامحني أبي على تقصيري في بره والإحسان إليه.
هذه نصيحة أقدمها لكل إنسان: أحسن إلى والديك بكل ما تستطيع ما داما على قيد الحياة.
فبعد رحيل أحدهما.. حتى لو تلوت «يس» لروحه 1000 مرة في اليوم، ونويت بثواب كل الأعمال الصالحة له، ستتمنى لو يعود إلى الحياة لتقبل ركبتيه فقط.
رحمك الله وأكرم مثواك يا أبي، وعصم قلوبنا بالصبر والسلوان.

أترك تعليقاً

التعليقات