الهيمنة بوجهيها المختلفين
 

هيثم خزعل

هيثم خزعل / لا ميديا -
لنتذكر جيداً أن تيار العولمة، ممثلاً بالحزب الديمقراطي الأمريكي ودول الاتحاد الأوروبي، لا يقل سوءاً عن تيار «ماغا» الذي يتزعمه ترامب. وليبقَ في بالنا كيف حج زعماء تيار العولمة إلى «إسرائيل» في 8 أكتوبر 2023، ورعوا إبادة أكثر من مئة ألف فلسطيني في غزة، وكيف عول العالم على مجيء ترامب لوقف الإبادة الجماعية بعد أن تبنى برنامج حركة «ماغا» الداعي إلى إيقاف حروب الولايات المتحدة في الخارج وإعادة بناء أمريكا بشعار «أمريكا أولاً»، قبل أن يرتد ترامب عنه ويصبح أسيراً للوبيات وللمحافظين الجدد والمسيحيين الصهاينة في إدارته.
ثمة تناقض بين التيارين يطال تعريف الهيمنة الأمريكية. التيار الأول يسعى إلى هيمنة غربية شاملة على العالم عبر المؤسسات التي أنتجتها العولمة وعبر الترتيب السياسي للعالم الذي بنته الولايات المتحدة؛ فيما التيار الثاني يمثل نوعاً من «الإمبريالية الانعزالية»، وهي نكوص عن العولمة التي باعتباره قامت على حساب المصلحة الوطنية الأمريكية ومصلحة الأمريكيين.
إذا كان ثمة اختصار معبر عن الفارق بين التيارين فهو قول مارك كارني، وهو ابن نادي النخب الغربية المعولمة، بأننا انتقلنا من «العالم المبني على القواعد» إلى «عالم القلاع» الذي حول ترامب بموجبه الولايات المتحدة من قوة بانية للعولمة إلى قوة هادمة لها.
في النهاية لنتذكر بعض أقوال آخر أباطرة العولمة جوزف بايدن: «أنا صهيوني»، وقوله إنه «لو لم تكن إسرائيل موجودة لوجب اختراعها».
تيار العولمة رعى الإبادة الجماعية مع الاستمرار في التجارة بالقضية الفلسطينية كحفلة علاقات عامة دولية في محافل مؤسساته، كالمحكمة الجنائية الدولية ومجلس الأمن وغيرهما من المؤسسات ذات الدور الشكلي.
يكمن التناقض الفعلي بين التيارين على مستوى السياسة الخارجية بأن حروب التيار الأول تخاض بعناوين أخلاقية، كنشر الديمقراطية والإطاحة بالدكتاتورية وتبني خطاب الحقوق الذي يتغير -بحسب كارني- حسب نوع الضحية (أي وفق مصلحة الولايات المتحدة وحلفائها)، فيما تيار ترامب يخوض حروبه بعنوان واضح: المصلحة الأمريكية والسيطرة على الموارد والرغبة في إخضاع الخصوم دون تبني خطاب أيديولوجي أو أجندة قيمية، بل بدافع تحقيق المنفعة ودون أي مراعاة للترتيبات السياسية العالمية التي أفرزتها سياسات الولايات المتحدة على مدى أكثر من خمسة وسبعين عاماً من هيمنتها على العالم.
في كل الأحوال، الرهان على تحسن الأحوال إذا تمت الإطاحة بترامب أو تكبيله سياسياً هو رهان على سراب، كما أن الضرر الذي ألحقه ترامب بالعولمة يصعب كثيراً استرجاع مسار «العالم المبني على القواعد».
لقد أشعل الديمقراطيون جبهة روسيا، فيما أشعل ترامب جبهة إيران، وإشعال الجبهتين طريقان مختلفان يؤديان إلى هدف واحد: إخضاع الصين، وما تبقى تفاصيل، إذ يمثل سلوك تياري الهيمنة الأمريكية استجابة للتحدي التاريخي الذي يواجه الإمبراطورية.

أترك تعليقاً

التعليقات