سامي عطا

سامي عطا / لا ميديا -
شهدت مكة المكرمة يوم الجمعة 7 أغسطس/ آب 2026 توقيع «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين المملكة السعودية وتركيا وباكستان. نصّت الاتفاقية على أن «أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع»، وتهدف إلى تعزيز الردع المشترك وتطوير التعاون الدفاعي بينها. لكن هذا التحالف، الذي جاء تتويجاً لحراك دبلوماسي استمر نحو عامين، لم ينعقد في فراغ؛ بل جاء مدفوعاً بتحولات عميقة في الملف اليمني على وجه الخصوص، تكشف عن إعادة تقييم سعودية جذرية لخياراتها في اليمن.

أوّلاً: أزمة الثقة في الأدوات اليمنية
شكّلت الضربات الأخيرة التي استهدفت معسكرات القوات الحكومية في محافظتي مأرب وحضرموت، والتي أوقعت عشرات القتلى، نقطة تحول في الموقف السعودي. فالهجمات المتكررة على «أدوات» المملكة في اليمن -سواء كانت تابعة لما تسمى «الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً» أو «المجلس الانتقالي الجنوبي»- كشفت عمق الهشاشة التي تعاني منها هذه القوى. تقارير سابقة كانت قد أشارت بالفعل إلى أن الغارات الجوية كشفت «مدى انعدام الثقة بين السعودية وحلفائها في اليمن». هذا التآكل في الثقة يجعل الاعتماد على هذه الأطراف كقوة موازنة لـ«سلطة صنعاء» أمراً غير مجدٍ، بل وخطير على المصالح السعودية.

ثانياً: معادلة الحصار بالحصار.. تصعيدٌ غير مسبوق
في 20 يوليو/ تموز 2026، أعلنت جماعة أنصار الله (الحوثيون) فرض حظر للملاحة البحرية على السعودية، وفق ما سمّته «معادلة الحصار بالحصار». هذه الخطوة، التي وصفتها وسائل الإعلام بأنها «منعطف في مسار التصعيد»، لم تكن مجرد تهديد بل تجسيد لقدرة «سلطة صنعاء» على تحويل الصراع إلى معادلة ردعية متكافئة. فبعد سنوات من الحصار السعودي المفروض على اليمن، أصبحت صنعاء قادرة على فرض حصار بحري على المملكة، مستهدفةً ممراتها الملاحية وناقلات نفطها.
هذا التصعيد، الذي ترافق مع هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مطار نجران ومصادر سعودية أخرى، وضع الرياض أمام واقع جديد: لم تعد قادرة على فرض معادلة أمنية من طرف واحد. قدرة الحوثيين على ضرب العمق السعودي، وفرض حصار بحري يهدد المصالح الاقتصادية الحيوية، جعلت من استمرار سياسة المواجهة المفتوحة خياراً مكلفاً ومحفوفاً بالمخاطر.

ثالثاً: «تحالف مكة».. تأمين للرياض في طريقها إلى التفاهم مع صنعاء
هنا يبرز البعد الحقيقي لـ«تحالف مكة». ففي الوقت الذي كانت فيه المملكة تدرك أن أدواتها اليمنية لم تعد قادرة على تحقيق أهدافها، وأن «سلطة صنعاء» فرضت معادلة ردعية جديدة، بات الخيار الاستراتيجي الأكثر منطقية هو التوجه نحو تفاهم مع صنعاء، بل والتسليم بحكمها لليمن بشكل أو بآخر.
لكن هذا المسار -وهو مسار حساس وشائك- يحتاج إلى تغطية أمنية تمنع استغلال أي طرف لهذه المرحلة الانتقالية. هنا يأتي دور التحالف الثلاثي: باكستان توفر الردع النووي والقوة العسكرية، وتركيا تقدم الصناعة العسكرية المتطورة والخبرة العملياتية، والسعودية توفر رأس المال والثقل السياسي.
هذا التكامل يمنح الرياض غطاءً ردعياً قوياً يسمح لها بالتفاوض من موقع قوة، مع تأمين حدودها ومصالحها في حال انهار أي اتفاق أو تعرضت لضغوط من أطراف إقليمية أخرى.
إن توقيع الاتفاقية في مكة، وبحضور ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والرئيس التركي أردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، يحمل رسالة واضحة: السعودية تعيد ترتيب أوراقها إقليمياً، وتستعد لمرحلة جديدة في اليمن، مرحلة تقوم على التفاوض مع «سلطة صنعاء» والتخلي التدريجي عن أدواتها العاجزة، لكن من خلف جدار ردعي متين يضمن عدم انهيار أمنها الوطني.

خاتمة
«تحالف مكة» ليس مجرد اتفاقية دفاعية تقليدية، بل هو إعلان عن تحول استراتيجي في السياسة السعودية تجاه اليمن والمنطقة. فعدم الثقة بالأدوات اليمنية، وتصاعد قدرات «سلطة صنعاء» التي فرضت معادلة الحصار بالحصار، دفعا الرياض إلى البحث عن مظلة أمنية بديلة تمكنها من الانسحاب من مستنقع اليمن بأقل الخسائر، والذهاب إلى طاولة التفاوض مع صنعاء من موقع القوة، لا الضعف. التحالف مع أنقرة وإسلام آباد يوفر لهذه الرؤية الغطاء العسكري والسياسي الذي تحتاجه، معلناً بداية فصل جديد في علاقة المملكة بجارتها الجنوبية.

أترك تعليقاً

التعليقات