«طوفان الأقصى» وعبد يقترض أفوله!
 

سامي عطا

سامي عطا / لا ميديا -
معركة «طوفان الأقصى» ليست معركة تحرر وطني وحسب، إنما معركة فك التبعية عن الهيمنة الغربية على المنطقة، كما أعلنت مجرياتها عن نهاية الأيديولوجية الليبرالية وانكشاف زيفها.
معركة «طوفان الأقصى» أحدثت هزة وعصفاً ذهنياً لدى شعوب الأرض قاطبة، وتكوَّن رأي عام عالمي ناقد وغاضب على حكوماته. كما أظهرت أن اللوبي الصهيوني مسيطر على مفاصل السلطة في الكثير من الدول، وباتت حكومات هذه الدول بين كماشتين: كماشة إرضاء اللوبي الصهيوني، وكماشة النزول عند المطالب الشعبية الرافضة لجرائم الإبادة الإنسانية المرتكبة في غزة.
يقول أرسطو إن كل شيء في هذا الوجود يحكمه قانون التكوين والفساد، وما بينهما الفوضى. وإذا ما طبقنا هذا القانون على المجتمع الدولي، فإن نظام القطبين نشأ من بعد فوضى الحرب العالمية الثانية، وظل في مرحلة تكوين منذ اتفاقية يالطا العام 1945(*) حتى العام 1985، لحظة صعود جورباتشوف إلى سلطة الاتحاد السوفييتي وبداية مشروعه البروسترويكا (إعادة البناء) نتيجة أزمات داخلية كثيرة وفساد أخذ ينخر النظام، وشهدت السنوات الست فوضى عارمة عاشها هذا القطب العالمي، بدأ بانهيار جدار برلين في 9 تشرين الثاني/ نوفمبر 1989، وانتهى بتفكك هذا القطب الدولي في 31 كانون الأول/ ديسمبر 1991، وشهد خلالها إعادة توحيد ألمانيا وإعادة توحيد اليمن وانهيار نظام الفصل العنصري (الأبرتهايد) في جنوب أفريقيا وكثير من معضلات النظام القديم.
وعلى إثر ذلك الانهيار بدأ تكوين جديد للعالم يقوم على الأحادية القطبية الأمريكية، استمر حوالى ثلاثة عقود. و»طوفان الأقصى» وانهيار جدار الفصل العنصري في 7 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي يشبه إلى حد ما انهيار جدار برلين في نهاية ثمانينيات القرن الماضي. والعالم اليوم يشهد فوضى وفقاً للتفسير الأرسطي الآنف الذكر سيفضي إلى انهيار هيمنة الأحادية القطبية وبداية تكوين جديد متعدد الأقطاب.
هناك تغييرات كبيرة تلوح في الأفق تفصح عنها ممانعة ورفض نظام الهيمنة القائم. وعندما تلوح مثل هذه التحولات الكبيرة في النظام العالمي تظهر وسط الطرف الخاسر فيها ممانعة ورفض من وسط الفوضى التي يعيشها. ألم يحدث في 2 آب/ أغسطس 1991 انقلاب فاشل على جورباتشوف من أساطين ذلك النظام؟! وما يحدث اليوم من تلاحم بين صهاينة الكيان الصهيوني وصهاينة البيت الأبيض حول معركة غزة، التي شهدت تنكراً للقيم الليبرالية، هو انقلاب أيضاً يحاول من خلاله اللوبي الصهيوني الحفاظ على نظامه غير العادل وبات يصطدم مع وعي جماهيره.
السؤال الذي يطرح نفسه: أين موقع الأنظمة العربية مما يحدث؟
واضح أن وقوف الأنظمة العربية المرتبطة بنظام الهيمنة الأمريكية الغربية مع الكيان الصهيوني ناتج عن خشيتها من سقوطه؛ لأنها أنظمة تابعة اقتصادياً وسياسياً، ولذا تعتقد أنها بهذا الفعل تمنع السقوط الحتمي. ولا تعلم هذه الأنظمة أن قوانين التاريخ الاجتماعي حتمية، وارتضت هذه الأنظمة أن تكون عبدة لسيد بات على مشارف الإفلاس. لدى هيجل فكرة أن العبد ليس لديه وعي خاص به، بل يقترضه من سيده. وما يعتمل داخل هذه الأنظمة التابعة من مشاريع تقدم نفسها بأنها مشاريع إصلاح داخلية، ليست إلّا مشاريع اقترضتها من سيدها الذي يشرف بريقه على الأفول.
(*) اتفاقية يالطا هي اتفاقية بين الاتحاد السوفييتي بزعامة ستالين وبريطانيا بزعامة تشرتشل والولايات المتحدة بزعامة روزفلت. وقعت هذه الاتفاقية في مدينة يالطا السوفييتية على سواحل البحر الأسود، تتويجا لمؤتمر يالطا الذي انعقد خلال الفترة 4 – 11 شباط/ فبراير 1945. وناقش المؤتمر كيفية تقسيم ألمانيا ومحاكمة أعضاء الحزب النازي وتقديمهم كمجرمي حرب. وقد رغبت بريطانيا والولايات المتحدة بتقسيم ألمانيا إلى أربع دول، ورأت فرنسا والاتحاد السوفييتي إلى ثلاث، وأيضاً تقسم مدينة برلين بالطريقة نفسها.

أترك تعليقاً

التعليقات