عبد الحافظ معجب

عبدالحافظ معجب / لا ميديا -
يُقال في مأثور الحكم التي تناقلتها الأجيال، من أراد حصاد عام فليزرع قمحاً ومن أراد ثمار عقد فليغرس شجراً، أما من يبتغي قطاف قرن من الزمان فعليه ببناء الإنسان عبر التعليم، هذه القاعدة بمثابة عقيدة عمل يتوجب أن تترسخ في كل قرار تعليمي يصدر اليوم، فالفصول الدراسية هي المعامل الحقيقية التي نُشكل فيها ملامح مستقبل اليمن الذي نريد، اللحظة التي نعيشها مفصلية بكل ما تحمله الكلمة من معنى تتطلب الصراحة والمكاشفة والشجاعة في المراجعة، ونحن نرقب التوجهات الحديثة لوزارة التربية والتعليم الرامية إلى إعادة تنظيم تدريس اللغة الإنجليزية في صفوف التأسيس وتوحيد المنهج الوطني في المدارس الحكومية والأهلية، لا شك أن المنطلقات التي تتحرك من خلالها قيادة الوزارة وعلى رأسها التربوي القدير الأستاذ حسن الصعدي، تنبع من حرص وطني غيور يهدف إلى حماية الهوية الإيمانية والثقافية للطالب اليمني وتجنيب عقول الناشئة التشتت اللغوي الذي قد يضعف لغة الضاد التي هي في الأساس وعاء الفكر والدين، لكننا بينما نؤيد الحفاظ على هويتنا الثقافية، لا بد من التساؤل حول كيفية تحقيق هذه السيادة دون أن نترك ثغرة للخصوم والأعداء وضمان عدم حرمان أجيالنا من أدوات المنافسة في عالم رقمي لا يعترف بالحدود الجغرافية.
معركة الوعي التي نخوضها تفرض علينا إدراك أن اللغة الإنجليزية تجاوزت فكرة التربية اللغوية وغدت مفتاحاً للعلوم الحديثة، من الطب والهندسة وصولاً إلى التكنولوجيا الدقيقة التي نحتاجها في مسيرة التغيير والبناء والاعتماد على الذات، وهنا تكمن الشعرة الفاصلة بين الحماية والعزلة، فالتوجه نحو تأجيل تدريس هذه اللغة إلى الصف الرابع وحصر المواد العلمية بالعربية في التعليم الأهلي، يحتاج إلى نظرة واقعية لا تغفل الواقع الميداني وتضع فرضيات التداعيات والمآلات والنتائج السلبية المتوقعة بعين الاعتبار.
الكثير من الأسر اليمنية استثمرت مدخراتها في مدارس التعليم الخاص لغرض واحد أساسي هو تمكين أبنائها من الدراسة في القسم الإنجليزي واللغة العالمية منذ الصغر، بحثاً عن جودة تعليمية تؤهلهم لمستقبل مهني رفيع وإذا ما تم الإلغاء الكلي وبالشكل المتداول والمطروح، فإننا قد لا نلغي الرغبة في التعلم، بل قد ندفع هذه الأسر دفعاً نحو مخارج اضطرارية قد تكون وبالاً على الأمن القومي للوطن.
الحقيقة المرة التي يجب أن تدركها القيادة وأصحاب القرار هي أن الفراغ لن يبقى فراغاً طويلاً، وبمجرد الحديث عن سحب بساط التدريس النظامي لهذه اللغة، بدأت تلوح في الأفق أكاديميات ومعاهد افتراضية مشبوهة، تمولها سفارات وقوى معادية، تعلن عن تقديم دورات ومنح مجانية عبر الإنترنت لأطفالنا، هذه المنصات لن تقدم لغة فقط بل أنها ستمرر السم في العسل، وتغزو بيوتنا بأجندات فكرية تهدف لتفكيك النسيج المجتمعي تحت ستار الحداثة والتعليم المجاني، لذا فإن الإبقاء على الأقسام الإنجليزية في المدارس الأهلية، مع إخضاعها لرقابة صارمة تضمن تكثيف مواد الدين واللغة العربية، الخيار الأكثر أماناً وحكمة وبذلك نكون قد احتوينا الطالب داخل منظومتنا التعليمية الوطنية بدلاً من تركه لقمة سائغة للمتربصين خلف الشاشات والشبكات ونضمن بقاء العملية التعليمية تحت إشراف السيادة اليمنية الكاملة.
وعلى الضفة الأخرى من هذا القرار ثمة مأساة إنسانية ومهنية تخص آلاف المعلمين والمعلمات الذين أفنوا شبابهم في التخصص بتدريس اللغة الإنجليزية للمراحل التأسيسية الأولى، هؤلاء الكوادر هم أبناء هذا الوطن وعائلاتهم تعتمد على هذا المصدر المعيشي الوحيد الزهيد في ظل ظروف اقتصادية طاحنة يفرضها العدوان والحصار الجائر على بلادنا، وإلغاء تخصصاتهم بهذا الشكل يعني رميهم في أتون البطالة وهو ما يتنافى مع روح التكافل الوطني والعدالة الاجتماعية التي جاءت من أجلها ثورة الشعب في الحادي والعشرين من سبتمبر.
المعلم هو الركيزة الأساسية للبناء ومن غير المنطقي أن نكافئه على سنوات عطائه بالتسريح القسري، وحماية هذه الكوادر واجب وطني لا يقل أهمية عن حماية المنهج نفسه، فالإنسان هو غاية التعليم ووسيلته وضياع خبرات هؤلاء المعلمين خسارة فادحة لرأس المال البشري الوطني الذي لا يمكن تعويضه بسهولة.
إننا ومن واقع الأمانة والمسؤولية نضع هذه الهواجس بين يدي معالي الوزير الأستاذ حسن الصعدي، انطلاقاً من ثقتنا في قدرته على قراءة المشهد برؤية شاملة توازن بين المبدأ والمرونة، المراجعة الحكيمة للقرارات قوة تعكس التفاعل مع احتياجات المجتمع وهموم الناس وسد الثغرات على المتربصين، نحن بحاجة إلى صيغة توافقية تضمن ألا تتحول مدارسنا الأهلية إلى نسخ باهتة لا تقدم قيمة مضافة، وألا يخسر قطاع التعليم شريكاً استثمارياً وطنياً ساهم في تخفيف الضغط على المدارس الحكومية، ليس من الصعب التوصل إلى نموذج تعليمي يمني فريد، يعتز بالقرآن الكريم واللغة العربية كهوية أصيلة ويمتلك في الوقت ذاته ناصية العلوم الحديثة ولغاتها العالمية بوعي وحذر، لنقطع الطريق على كل من يحاول استغلال شغف اليمنيين بالعلم للاستحواذ على عقول أبنائنا.
الهدف الذي ننشده جميعاً هو سيادة وطنية حقيقية وهذه السيادة لن تتحقق بمنع الأدوات، بل بحسن استخدامها وتوجيهها لخدمة المشروع الوطني، نأمل أن تفتح الوزارة أبواب النقاش مع الخبراء التربويين وملاك المدارس وممثلي المعلمين للوصول إلى حلول وسطى، مثل تقنين المناهج الإضافية بدلاً من إلغائها ووضع معايير دقيقة لمحتواها وضمان استمرارية الكادر التدريسي في عمله، وطننا الذي يواجه أعتى التحديات العسكرية والسياسية، قادر بصمود أبنائه وحكمة قيادته على إنتاج نظام تعليمي يحمي الرأس من الغزو الثقافي ويمد اليد لقطف ثمار التطور التكنولوجي، والرهان الأكبر على العقل اليمني الذي يجب إعداده ليكون مقاتلاً في ميدان العلم، كما هو مقاتل في ميادين الشرف، وهذا الإعداد يتطلب بيئة مستقرة وقرارات مدروسة وتلاحماً بين الجهات الرسمية والمجتمع، لتظل راية اليمن خفاقة في محافل المعرفة والسيادة، بعيداً عن أطماع السفارات ومشاريع الغزو الفكري التي تتحين الفرص للانقضاض على هويتنا، والله من وراء القصد.

أترك تعليقاً

التعليقات