عبد الحافظ معجب

عبدالحافـظ معجب / لا ميديا -
بين حين وآخر يباغت الرئيس مهدي المشاط الجميع بتلك الجرأة المعهودة التي صارت سمة لصيقة بشخصيته القيادية، تارة وهو يتفقد طلاب المراكز الصيفية بروح الأب المهتم ببناء الجيل، وتارة أخرى وهو يشق عباب سائلة صنعاء القديمة متابعاً هموم الناس وتفاصيل حياتهم اليومية، ومرات متعددة ومتكررة نجده يكسر كل قواعد البروتوكول الأمني ليلتحم بالجموع المليونية الهادرة في ميدان السبعين، وأخرى يجلس بين المواطنين البسطاء كواحد منهم يستمع لشكواهم ويشاطرهم تطلعاتهم، ورغم أن كل هذه التحركات الجريئة التي ينفرد بها الرئيس المشاط تمثل تحدياً صارخاً للعدوان وأدواته وجواسيسه وعملائه المتربصين بكل حركة وسكنة في بلادنا الصامدة، إلا أنها تظل في وجدان محبي الرئيس وأبناء شعبه الوفي مخاطرة ومجازفة تثير في القلوب القلق بقدر ما تثير في النفوس الفخر والاعتزاز بفخامته وهو يجسد حقيقة التوكل على الله والالتحام الكامل بالجماهير.
وأمام ما يشعر به الشعب من أن هذه التحركات تعبير عن ثقة مطلقة بالله وبالشعب ويقظة عالية للأجهزة الأمنية، فإن ثمة غاية أخرى يدركها المتأمل في سلوك الرئيس المشاط وأعتقد جازماً أنه يفعل ذلك عمداً وبقصد توجيه إحراج مباشر وقاسٍ لتلك الفئة من المسؤولين الأشباح المتخفين خلف الجدران الموصدة، فالمواطن الذي يشاهد رئيس بلاده يشارك في مليونيات السبعين منصهراً وسط الحشود رغم يقينه الكامل بأنه الهدف الأول لغرف عمليات العدو التي تسعى للوصول إليه بشتى الوسائل، يشعر بالذهول حين يقارن هذا المشهد بمسؤولين عاديين جداً لا وزن لهم عند قوى العدوان التي ربما تجهل أسماءهم تماماً ولا تكلف نفسها عناء البحث عنهم أو استهدافهم، ومع ذلك يصر هؤلاء على ممارسة أدوار استخباراتية وهمية في التخفي والتنقل المستمر بين البيوت والفنادق أو التحرك والسفر بين العاصمة والمحافظات، ممتنعين عن الدوام في مكاتبهم الرسمية بحجة واهية هي الخوف من الاستهداف المباشر.ص
المثير للسخرية والوجع معاً هو حال أولئك الذين غادر بعضهم بيوتهم وزوجاتهم وأولادهم بذريعة الأمن ليسكنوا في منازل سرية مع زوجات جديدات بسرية تحت ستار التمويه الأمني، والجميع حولهم يعيشون وهماً كبيراً بأن حضرة المسؤول مستهدف من الطيران، وثمة حقيقة أخرى مرة تتمثل في نماذج لمسؤولين تمر عليهم الأسابيع والشهور دون أن تطأ أقدامهم عتبات مكاتبهم معطلين بذلك مصالح الناس ومعاملاتهم الضرورية والحجة الجاهزة دوماً هي الخطر الأمني المحيط بهم، حتى وصل الحال ببعضهم أن يطلب من مدير مكتبه إحضار البريد والمذكرات والشيكات إلى منزله ليتكرم بوضع توقيعاته الشريفة وتوجيهاته المبجلة على أصوات "قرقرة بوري المداعة" وجلسات المقيل والسمر الطويلة بعيداً عن ضجيج المراجعين وأنين المظلومين.
هذه النماذج السيئة والمتقاعسة تجد نفسها اليوم في مأزق أخلاقي ووطني كبير، أمام مشهد أكبر مسؤول في هرم الدولة وهو يتقدم الصفوف في الميادين المفتوحة مخاطراً بحياته من أجل القضية والموقف والمبدأ بينما يختبئ مدير أو مسؤول أو وزير خلف جدران الخوف والكسل والهروب من المسؤولية والتفريط في التكليف والواجب، مع أن فرضية الاستهداف التي يتذرعون بها تسقط تماماً حين نتحدث عن أشخاص لا يفعلون شيئاً يذكر ضد العدوان بل على العكس تماماً يمثل هؤلاء النوع المفضل للعدو لأنهم بأدائهم الباهت وتعطيلهم لمؤسسات الدولة يخدمون أهداف الخارج في إضعاف الجبهة الداخلية وشل حركة التنمية وبناء الدولة، ولذلك فإن العدو ربما يسعى لمكافأتهم على هذا الخذلان المبطن ولن يفكر يوماً في استهدافهم لأن بقاءهم في مناصبهم مكسب كبير لكل من يتربص باليمن شراً.
أما الصنف الأكثر قبحاً فهم أولئك "الجواكر" الذين يتوارون عن الأنظار ولا يتحركون إلا بمواكب حماية ضخمة وحراسات مشددة توحي للرائي بعظم شأنهم وهم يعلمون في قرارة أنفسهم أن العدو يبحث عنهم فقط ليعبر لهم عن شكره وامتنانه الجزيل عن الخدمات العظيمة التي يقدمونها له من الداخل من خلال الفساد الإداري والمالي وإفشال خطط التغيير والبناء الوطني، ولذلك يستحيل استهدافهم لأن العدو يدرك تماماً صعوبة العثور على بدلاء بمثل هذا القدر من الغباء أو الخيانة المستترة التي تنخر في جسد الدولة، بينما يقدم الرئيس المشاط نموذجاً مغايراً تماماً للقيادة الشابة التي عرفت معنى الرئاسة كخدمة وتضحية وليس كوجاهة وتخفٍ.
فالميدان الذي كشف معدن الرئيس الصلب هو ذاته الذي عرى زيف الأعذار الأمنية التي يتشدق بها هواة الهروب من الواجب، وليعلم هؤلاء أن غبار المكاتب المهجورة سيبقى وصمة عار في مسيرتهم، وخديعة التواري لن تحميهم من ملاحقة الحقوق ولا من خزي الدنيا وضيق المنقلب، ومصيرهم السقوط من ذاكرة الشعب وسيعلم الذين فرطوا في الأمانة أي منقلب ينقلبون.

أترك تعليقاً

التعليقات