رئيس التحرير - صلاح الدكاك

استدارة سويدية لإنقاذ التحالف وحصار الحديدة
 المناورة بـ«سوأة ابن العاص»

بعد وقوع زحفه الكبير على الحديدة برؤوسه المتعددة، في خناق الجيش واللجان،يسعى تحالف العدوان إلى تحويل مأزقه في الساحل إلى مكسب، وذلك عبر الترويج لـ(قرار تعليق عملياته) إعلامياً بالتزامن مع دعوة أممية مرتقبة لـ(هدنة عسكرية تعقبها مشاورات سياسية)...
هذا سيمكنه من تخليص رؤوسه الزاحفة المطوقة بخناق أبطالنا وتنكيلهم الممنهج بها، لتتحول هذه الاختراقات إلى تماسات متقدمة ثابتة بموجب الهدنة المتوقعة، وبذلك يتمكن من وضع الحديدة في خناقه، ويرحب بالمشاورات كمبادرة كريمة منه لتجنيب المدينة وتحييدها كمتنفس إنساني... وهكذا سيكون تلويحه بمعاودة العمل العسكري (الذي لن يتوقف بطبيعة الحال) ورقة ضاغطة على طاولة المشاورات السياسية، ويتعين بحسب تقديراته أن يقدم المفاوض الوطني تنازلات استراتيجية في مقابلها، أبرزها (من قبيل الاستشراف والتحليل) تمكين قوة دولية بقرار أممي من إدارة المدينة خارج سيادة صنعاء، لا الإشراف الأممي على إيرادات الميناء لوجه سداد مرتبات موظفي الدولة كما اقترح سيد الثورة أبو جبريل في وقت سابق..
خاض أبطالنا ويخوضون معارك الدفاع عن الحديدة بجدارة وفدائية فذة، ويدرك العدو أن هذا الدفاع في طريقه إلى أن يتحول لهجوم ومعارك استرداد؛ زمامها بيد الجيش واللجان، وتهدف لدحر قواته إلى أبعد مسافة ممكنة عن محيط المدينة، لاسيما وأن تشكيلات متعددة من أبطالنا تنفذ عمليات تقطيع أوصال نوعية في ظهير زحوفات العدو من جهة الجنوب والجنوب الشرقي، وهذا سيتيح لها ، فيما لو استمرت في الضرب على مأزق التحالف الراهن ميدانياً، تقويض بنيته العسكرية في الساحل الغربي ومراكز القيادة والسيطرة التابعة له كلياً، وربما الذهاب إلى أبعد من ذلك و... دحره إلى عدن..
لهذا فإن العدو بحاجة إلى دعوات سلام ووقف إطلاق نار تستنقذه من مأزقه، وتتيح له التموضع المتمكن على ما تحت يده من نقاط متقدمة وحاكمة على مداخل المدينة التي تمثل شرايين حياة للحديدة ولمعظم المحافظات غير المحتلة، حيث يتركز معظم القوام البشري المقيم والنازح من الجغرافيا المحتلة أو المستهدفة بالقوة النارية لتحالف العدوان بغية تطويعها للاحتلال.
في هذه الأثناء، وبالتزامن مع ترويج أكذوبة الهدنة والاستعداد لمشاورات توقف الحرب، يستميت العدو في تعويض عتاده وعديده الذي نفق بلا جدوى في معارك الساحل الغربي، ويدفع بأرتال من الدروع والأفراد عبر البر المتاخم للماء ونقاط إبرار بحري ما أمكنه ذلك، كما يسعى لإشعال جبهات موازية ضاغطة في الضالع والبيضاء ونهم ومأرب، علاوةً على الحدود الصحراوية المتاخمة لصعدة وحجة.
بحساب الوقت، فإن الأوضاع السيئة لدول تحالف قوى العدوان الأمريكي، لا تحتمل نفاد المزيد من المُهل الزمنية الممنوحة لها أممياً ودولياً، دون تحقيق انتصار يسلخ الحديدة عن السيادة اليمنية، ويضعها تحت وصاية دولية بقرار أممي.
لكن حتى مع فرضية بلوغ التحالف ميدانياً حدَّ وضع الحديدة في خناقه العسكري، فإن ذلك لن يعني نهاية المطاف بالنسبة لحرب يخسر فيها التحالف أميالاً في عمق أراضيه مقابل كل كيلومتر يتقدمه في اليمن، كما أن قدرته على الاحتفاظ بما بات في حوزته من جغرافيا محتلة، تبدو أمراً عسيراً في ظل الاحتدام المتنامي لسعير السخط الشعبي المناهض له، مقروناً بعجزه عن تثمين هذه الجغرافيا عسكرياً وسياسياً لجهة تقويض بنية السيطرة الثورية وضم ما تحت يدها من جغرافيا حرة إلى جملة حيازاته، وتوسيدها لسواطير مشروعه التفتيتي الاستعماري. باستمرار متوالية الخيبات تلك، والمضطردة مع نفاد المزيد من الوقت، يجنح المدير التنفيذي الأمريكي مرغماً إلى (سلام) يتيح لجملة احتقانات أدواته التنفيذية الداخلية منها والمتعلقة بمآزقها في اليمن، أن تتنفس بصورة مدروسة وقابلة للاحتواء، تلافياً لانفجارها على نحو منفلت وخارج السيطرة.. الـ(سي آي إيه) على سبيل المثال كشفت للعلن، أمس، أن مقتل خاشقجي كان بأوامر مباشرة من محمد بن سلمان، وهذا يعني الترتيب لبدلاء في سدة المملكة، ولا إمكانية لذلك قبل وضع الحرب في اليمن على مسار آمن.
وعلى خلفية هذا الجنوح التكتيكي لإحياء مشاورات الحل السياسي في اليمن، يحتاج تحالف العدوان إلى وضع ميداني مريح بالحد الأدنى لجهة ما يرمي للدفع به على طاولة المشاورات، كما وإلى لم شعث أدواته المحلية بناظم محددات مشتركة توارب تناقضاتها واحترابها مؤقتاً، وتواري العميل هادي التراب بصورة سلسة، وهما حاجتان لا يضمن تحقيقهما له إمكانية الفصل بين مجموع مآزقه المركبة، بما يختزلها في اشتباكات الساحل الغربي والحديدة كمسار منفصل يعتقد العدو أنه يمكن له أن يكون ذا يد طولى فيه.
في سياق لصيق، فإن الأمم المتحدة بمبعوثها الجديد تعوزها مقاربة الاشتباك الدائر في اليمن برؤية مجافية لخفة وتستطيح مقارباتها الهزلية السالفة في تسمية أطراف هذا الاشتباك ومسبباته وما نجم عنه من تعقيدات راهنة يتعذَّر معها المضي في توصيفه كـ(أزمة سياسية داخلية محضة)، قفزاً على حقائق 4 أعوام من العدوان والاحتلال الأجنبي، وعجز المكونات العاملة بمعية التحالف الأمريكي، عن البت في أي ملف كطرف افتراضي مفاوض.
ثمة طرف وطني ثوري يثخن عواصم دول التحالف بالضربات الباليستية، وتحلق طائراته المسيَّرة فوق مخادع ملوكها وأمرائها، وتتوغل أقدام مجاهديه في عمق كبرى ممالكه، ويحوز على جيش من أسرى العدو متعددي المراتب والرتب... وينطلق في إدارة المواجهة من قاعدة شعبية جماهيرية واسعة الطيف، وعلى امتداد (40 جبهة اشتباك ساخنة متباينة التضاريس) وعابرة لأوهام الأقاليم وفرية التناقضات الثقافية والاجتماعية، فماذا بوسع أدوات عميلة؛ لا تملك حق العودة لزيارة أقاربها في الجغرافيا المحتلة إلا بفرمان ملكي، أن تقدم كطرف على طاولة مشاورات في مقابل الطرف الآنف؟!
إن فك رقبة أسير فرنسي استلزم مثول باريس بسفيرها بين يدي صنعاء، ووساطة دولة عُمان، فما الذي يستلزمه فك رقبة دولتين هما المملكة والإمارات، من قبضة صنعاء، بمنأى عن هزلية الدفع بالدُّمى الأسيرة لهما كطرف مفاوض، ترتيباً على تفصيل ميداني في مشارف الحديدة، مقطوع الصلة بجملة مجريات الاشتباك ومآزق قوى العدوان الناجمة عنه؟!
أسئلة من طينة الواقع تعوزها إجابة أممية دولية شافية وعاجلة، تضفي مسحة جدية على دعوات سلام، لا سيما وأن عصا موسى توشك أن تشق بحر خيارات العبور إليه وثباً فوق (كمين السويد) وحسابات العالم المنافق وتكتيكات الأمم المتحدة، المصغية لخوار عجل السامري وغير الآبهة بأنين المستضعفين والمسحوقين خلف جوستابو نازية الحصار وأتون جحيم العدوان الكوني.
على المراقب الغربي والدولي بالعموم، أن يتابع باهتمام – إذن - تظاهرات إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف غداً الاثنين، ليدرك استحالة محاولات أنظمته وحكوماته وأد هذه الانبعاثة اليمانية العميمة والوازنة والفتية، لجهة إحياء رميم مشيخات البترودولار المهترئة والمتفسخة، إذ أنه لا سبيل أمامها سوى الإذعان طوعاً أو كرهاً لتحولات التاريخ الموضوعية والذاتية، وإن بالنقيض لما يهوى ويشتهي العالم المنافق.
إن قراءة تظاهرات المولد النبوي الشريف كماً وكيفاً ودلالات، مفيدة لمراقب دولي حريص على استشراف أفق الصراع في اليمن ومآلاته على المدى المتوسط القادم، عوضاً عن الغرق في جزئية اسمها (تقدُّم التحالف عسكرياً في الحديدة ووشوك السيطرة عليها)، فالصراع بأبعاده أكبر وأعقد من أن ترتهن مآلاته لتفاصيل عابرة تنسجها وتضخمها ماكينة إعلام التحالف الكوني تعمية على حقيقة احتقانات كياناته الوظيفية الآيلة للانفجار بنفاد الوقت!

أترك تعليقاً

التعليقات