هي أول الطلقات (لا)
 

رئيس التحرير - صلاح الدكاك

لماذا (لاء)؟!
لأنها كلمة قائمة بذاتها ولذاتها.. همزتها المديدة لا شرفة أخيرة لها ولا تخوم.
كلمة نافية لنشاز الواقع، طامحة ومتلهفة لإعادة ترتيب أنساق الحاضر المفصّلة على نحو لئيم وجائر تحتل أقدام الجبابرة مداراته العليا، وتتكدس رؤوس المسحوقين والمغلوبين على أمرهم في حضيضه بوصفها خردة آدمية وفائض وجود لا قيمة له في ذاته.
كلمة مسافرة بجرأة وصفاقة وطموح وطمع وجموح وجنون صوب أقاصي اللحظة المقهورة والمدجنة بحثاً عن زمن كريم ولائق هناك في المستقبل الذي لا تستطيع الرؤوس المنكسة المنكفئة والداجنة استشراف تخومه من وحل هوانها ومواتها.
كلمة مدمرة وبناءة تكتنز جدل جزيء الماء الذي انبثقت منه كل هذه الحياة وكل هذا الوجود وكل هذا الكون، كما تكتنز جدل نواة اليورانيوم ونظائره من عناصر مشعة توارب طاقة تحطيم كفيلة بجعل كل وجود رميماً وغبار سديم وهباءً منثوراً.
عندما أراد الله تأكيد وحدانيته بدأ بـ(لاء)..
وعندما أراد (ماركس) نفي الألوهية استعان بـ(لاء).. أي استعان باللامرئي في إثبات المرئي وبالذاتي في الإشارة إلى الموضوعي.
كل قوافل الشهداء والشهيدات وأهرام الجثامين وتلال الأشلاء التي نقدمها اليوم في اليمن وسوريا ولبنان وفلسطين والعراق، هي ضريبة (لاء) التي دلَّت قوى الهيمنة على وجودنا الحي وعلى أن مزرعة الرخويات الشرق أوسطية لا تزال قادرة على تعويض الأعمدة الفقرية المهروسة بجنازير الإمبريالية وسياسات التركيع والتجويع وكسر الشوكة وفزّاعات هوليوود من (فرانكشتاين) إلى (أبو بكر البغدادي).
ما أفدح الضريبة وما أجدرنا بدفعها ثمناً لوجود إنساني كامل وكريم.
في سحنة شعبنا اليمني الملفوحة والناتئة نرى اليوم سحنات ذلك الرتل المديد من الأبطال الملحميين الذين أشعلت حدقاتهم المكابرة نيازك المجرات ونجومها السيارة، وأيقظت ضربات أقدامهم المتمردة سبات البراكين وأشواقها الغافية للوثوب إلى الضوء والهواء الطلق.
أكاد أسمع دوي صرخة (سبارتاكوس) ذاتها على لسان البسطاء الواقفين فوق ردم أكواخهم التي دمرتها طائرات الـ(F16) والرافال، وصواريخ البارجات الأحدث فتكاً.. على لسان أولئك الخارجين من ردم منازلهم ورماد جثامينهم كالعنقاء، أكاد أسمع (الحسين) وأرى دمه المنتصر تماماً كما أرى في سحنة (عبدربه هادي) وعلى وجوه جوقة المرتزقة ونخبة الكارتون وشمَ أحذية (يزيد)، وأسمع ثغاء توسلاتهم الذليلة وملَقَهم وقزامتهم.
للجباه المدعوكة بغبار الشموس والملفوحة بلهبها تنتمي (لاء)، من (صعدة) إلى (هافانا) إلى (نبل والزهراء) إلى (كاراكاس) إلى (الضاحية الجنوبية المقاومة) إلى (حقول الكاكاو في بوليفيا) إلى (طراوة عشب الكرمل)، ومن ذرى (صبر) إلى أعالي (السييرا مايسترا). 
وفي عالم تحاول الغطرسة الأمريكية النيوليبرالية تكبيل شعوبه بِشِراك المارينز، وتفصيل خرائطه على مقاس أحذيتهم، فإن (لاء) وحدها تصبح محك فرز الأجناس ومغزل الهويات، إنها وطن مشاع لمن يحملون رؤوسهم على أكفهم في سبيل أن تبقى قاماتهم منتصبة، ويرفعون قهرهم هرماً، وهي طريق الخلود لمن يرفضون السجود على عتبات (الرياض) و(البيت الأبيض).
قلّبوا محركات البحث جميعها فلن تجدوا بين قوائم أسماء الصحف جميعها واحدة تنوء بحمل هذه الحروف (لاء).. لا واحدة بينها (لاء).
فيا لثقل العبء
ويا لفداحة المجازفة
ويا لعظم المسؤولية
ويا للشرف.

أترك تعليقاً

التعليقات