رئيس التحرير - صلاح الدكاك

صلاح الدكاك / لا ميديا -
رفيقي ومعلمي الدكتور عباس الزريقي، أيها الكبير الذي بذل لشعبه وقضايا أمته العادلة في الظل بسخاء، حد المخاطرة بالنفس ومواجهة سواطير القتلة وتهديداتهم، أعزل إلا من ثباته وإيمانه الكبير بصوابية موقفه وعدالة قضيته، والذي يواجه اليوم معاناته في الظل بصمت وكبرياء، أعزل إلا من ثقته برعاية الله الخفية وألطافه.
يؤلمني كثيراً أن أقول لك إن الوطنية وشرف الموقف يبقيان بلا قيمة في ميزان الصخب السائد، ما لم يتحول صاحبهما إلى حالة صوتية صاخبة، فعلى هذا المحك باتت الأوزان والأقدار تقاس، وبات الخواء الصاخب رحماً يتناسل “أحراراً” و”وطنيين” مثقلين بالأوسمة والمناصب والمزايا والهبات التي تغدق عليهم نظير بلاء حناجرهم المجهدة بالزعيق والنفخ في الأبواق واجترار قوالب التحليل السياسي المبتذلة على الشاشات والعكوف على تطبيقات الهواتف الذكية والسوشيال ميديا تغريداً وفسبكة وهشتكة وبشتكة وافتناناً في التراشق بالشتائم خفيفة الدم!
وأنت لست من ذلك في شيء. وأستطيع الجزم صائباً أنك الكائن البشري الوحيد على كوكب القرن الحادي والعشرين الذي لم يكتب قط رسالة (sms) ولم يفتح بريد المحمول ليقرأ رسالة مماثلة واردة (هل تقدر غينيس هذه المعلومة؟!).
بين الفضائيات كانت “المنار” فضاء تحليقك، وفي لبنان موسى الصدر ونصر الله وسورية الأسد وإيران الخميني وسليماني كان هوى فكرك وروحك، وفي صعدة الحسين باكراً عشت البشارة قبل غالبية المضاربين بها اليوم طلباً للحظوة وادعاءً بلا سند ولا رؤية...
حيث وُجد الأحرار كان وطنك ووجهة قلبك، بامتداد العالم، من الضاحية الجنوبية إلى كاراكاس.
عندما هنأناك بتموز نصر المقاومة وانتصار سورية وملاحم الحشد ويمن 21 أيلول وسيف القدس، كأننا نهنئك بمناسبات عائلية بهيجة تخصك وحدك، وقد كانت كذلك بالنسبة إلى عربي أممي مثلك. وعزيناك في يحيى عياش وأبوجندل يوسف ريحان وعماد مغنية وجهاد مغنية وهوجو شافيز وعبدالكريم الخيواني وسمير القنطار وقاسم سليماني وأبومهدي المهندس كأننا نعزيك في أحب أهلك، وقد كانوا كذلك بالنسبة إلى ثائر حر بمثل قامتك.
مِن ديوانك، بل مِن “منتداك الثوري المفتوح” في تعز، اشتعلت جذوة الوعي الأولى بعظمة المقاومة، وشمعة الأمل الأولى التي أضاءت على حقيقةِ أنها ليست “نهاية التاريخ” و”عصر أمريكا الخالد للأبد”، وانفسح في عتمة المشهد الكوني أمل منظور  في الخلاص ونهاية الأحادية القطبية، وتكشفت إرهاصات زوال كيان العدو الصهيوني المؤقت... فالصراع هو الصراع، والعدو هو العدو، ولا شيء تغير في هذه الحتمية الجدلية، سوى جنوح أشباه المناضلين للتماهي في الحظيرة الأمريكية واعتلاف أكاذيب ألوهيتها الكبرى!
رفيقي ومعلمي الدكتور عباس الزريقي، ها أنا أحاول للمرة الثالثة أن أكتبك لشعبك الشريف وأحراره وذاكرة أبنائه، فأحتار من أين أبدؤك، وفي أي محطة أختم بك محاولاتي هذه بما يحقق هدفها؟!
إنني لا أتوسل لك بما أكتبه قدراً عند أحد، فما أنت عليه من القَدْر يغنيك ويفيض، ولا أتسول لك عطف أحد فأنت السنديان يعيش نائفاً ويموت واقفاً ولا ينحني ليستعطف الآخرين خضرة وقامة، بل يقضي صامتاً بشموخ، فلا تبلغ فؤوس الحطابين ذرى هامته لتحتزها ولا عمق جذوره لتقتلعها.
ولأنك كذلك فإن أحداً لن يعيك، سوى نظرائك السنديان وأندادك الأحرار، الجديرين بألا تغيب عن مجال رؤيتهم قامة تسند سماء الحرية كقامتك، وألا تظل مجهولاً لجبهة أنت أحد أبطالها.
وأما العلّيق والنباتات المتسلقة الوصولية فعاجزة بالقصور الذاتي عن أن تعي أمثالك، إلا عوزاً للفضلات التي تعبدها هي وتتحسسها بشبق، لاهثة خلفها أينما جرَّها خطامُ وضاعتها، إلى وحل أو إلى حديقة، وعمودياً أو أفقياً!
رفيقي ومعلمي الدكتور عباس الزريقي، كما وقفت في وجه السواطير ودفعناك عنوةً خارج مسلخها بالأمس القريب لكي لا نمنحها فيك فريسة يسيرة كم عاشت تتشهاها، ها نحن نحاول اليوم أن ندفعك عنوة خارج مرمى الموت تغييباً لا مرضاً، فالمرضى المعدمون بلا حصر، ووجهة عونهم “فاعلو الخير”. ومثلك يا رفيقي ليس رقماً عابراً في سجلات الوفاة، بل قصة يجدر بالكبار فكراً وموقفاً وإباءً أن يقرؤوها وأن تمتد فصولها وأحداثها إلى أبعد من الموت على سرير مهمل في مسلخ طبي يجهز على فريسته حية ويصلب جثتها على جدار المحاسب المالي حتى سداد فواتير الموت ليمنحها شهادة وفاة!
أنت عباس الزريقي، الرفيق والمعلم والموقف والفكر والإنسان والثورة المستمرة التي تجري في عروق أحرار الحالمة السليبة، ومسعر نارها الذي يريد له الخفافيشُ أن يموت في العتمة.
كنت “هيهات”، وستبقى هيهات، وهيهات أن يخذلك الأحرار أو أن تتولم سيرتك الزاهية طيور الظلام.

أترك تعليقاً

التعليقات