أمريكا وسياسة الاحتواء والتوسع
 

طاهر علوان

لم يعد من ضمن الأهداف الاستراتيجية للسياسة الأمريكية احتواء الأنظمة فقط، كما كان في السابق أثناء الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي، بل أصبح توسيع مدى نفوذه لكي يطال أكبر مساحة جغرافية ممكنة، وبشروطه الاستعمارية، وعلى الأخص المناطق الاستراتيجية من العالم، وفي مقدمتها بالطبع منطقتنا العربية الإسلامية، ومن سخرية الأحداث أن تكون السعودية ودول الخليج وبعض الأنظمة العربية الإسلامية، وطبعاً إسرائيل، ضرورية لتحقيق تلك الأهداف الاستراتيجية، وخلق مناخ يساعد على ازدهار وتوسع النفوذ الأمريكي.
سقوط الاتحاد السوفيتي أفسح المجال للسيطرة الأمريكية الكاملة، وتنفيذ المشروع التوسعي على حساب مقدرات ومصالح وخيرات الشعوب واستعبادها، وأصبح العالم بأسره (العدو الجديد) لأمريكا، وخاضعاً لسياسة التوسع والاحتواء والتآكل من الداخل وخلق فقاعات سياسية وافتعال أزمات اقتصادية وفجوات اجتماعية وصراعات مذهبية وإرهابية، وأيضاً التدخل العسكري إن استدعت الحالة. ليس ثمة مرجعية شرعية دولية سوى لأمريكا، وهي التي تعمل على احتكار القوانين الدولية وتجييرها عند الضرورة لمصلحتها، وبطريقة العنف والإرهاب، فقد استطاعت سياسة التوسع والاحتواء أن تحتضن ما سُمي (ثورة الربيع العربي)، وتمكنت من تغيير توجهاتها الجوهرية المشروعة، مع الاحتفاظ بركائز الأنظمة السابقة وإضافة جرعات من الظلم والتبعية.
أمريكا لا يمكن أن تحرر شعباً مقهوراً أو أن تقيم عدلاً أو نظاماً وطنياً لمصلحة الشعوب، أمريكا تسعى دائماً لاستخدام شعب مقهور ضد شعب مقهور آخر، وأن تحرض طائفة ضد أخرى، ودفعهم إلى خوض معارك، والتخلي عنهم عندما تتغير الحسابات السياسية، والدلائل على ذلك لا تحصى ولا تعد.
أمريكا لا تقدم خدمات مجانية لمصلحة الشعوب أو لقضية اجتماعية اقتصادية، فضلاً عن القضايا الإنسانية، أما الجانب الآخر المضيء والمشرق فيتمثل في فشل أمريكا ومحاولاتها المتكررة قطع الطريق ومحاصرة الثورات الشعبية النابعة من طموحات وآمال المستضعفين، والتي تلامس تطلعات الكادحين، هذا للأمانة التاريخية ولمن يريد أن يستوعب الحقيقة.
لم يأتِ الاعتداء الظالم لأمريكا وأدواتها في المنطقة على الثورة اليمنية من فراغ، فمنذ اللحظات الأولى كان الرفض الشعبي اليمني للاحتواء والتوسع والإذلال واستغلال واستعباد الإنسان لأخيه الإنسان، والانحياز لطموحات وآمال المستضعفين في الأرض وللفئات الأكثر بؤساً ومرارة، والطموح المشروع لتحرير الثروة، والسيادة، وامتلاك القرار السياسي والخروج من نفق الوصاية المظلم، ورفع شعار الحرية للإنسان والأرض والموت لطغيان أمريكا وأدواتها أعداء الإنسانية، ولكي لا تمتد شرارة الثورة وتهدد مصالحها، ونظل في بيت الطاعة والهيمنة وسياسة الاحتواء في الحظيرة الأمريكية، لأجل ذلك كان الاعتداء الأمريكي وأدواتها على اليمن في محاولة لتغيير اتجاهات الثورات الشعبية المشروعة بأهدافها النبيلة إلى مسخرة اجتماعية وطابور خامس لخدمة مصالحها والتصفية من الخارطة الوطنية لبعض الأحزاب والمنظمات، وتحويلهم إلى مرتزقة على موائد اللئام، والعمل بشكل شامل لتوسيع الفجوات والصراعات التي تؤدي إلى الانهيار الكامل للمجتمع بتآكله الداخلي بعد سلسلة طويلة من الصراعات غير المنتهية بشكل حاسم.
العالم بات مهدداً بسياسة الاحتواء والتوسع والتآكل الداخلي المفروضة بتلك الحروب المفتعلة والصراعات المذهبية والجهوية بفعل السيطرة على عملية التآكل الداخلي واستنزاف القوى الوطنية والمقاومة لسياسة الاحتواء، واستهلاكها وتدمير مشروعها الوطني النهضوي بالصراعات الداخلية وضمان استمرارها لكي لا تمتد عدواها إلى المناطق المجاورة، وتهدد مصالح أمريكا وأدواتها في المنطقة.
الحروب المفتعلة من قبل أمريكا وأدواتها في اليمن وسوريا وليبيا والعراق، وفي أنحاء المعمورة، هي ضمن سياسة الاحتواء والتوسع، وتأخذ شكل الإبادة الجماعية اللاإنسانية، وتلك اللامبالاة الدولية والأممية التي تفرضها أمريكا بحكم نفوذها وتوظيفها للقوة السياسية والموقع في الأمم المتحدة وفي الحلف الأطلسي، لتحصين ما حققته القوة العسكرية والتأثير المباشر لسياسة الاحتواء والتوسع.
أمريكا الدولة الوحيدة القادرة على التدخل لإيقاف الحروب والصراعات وفض المنازعات ووضع حد لها على أقل تقدير، لكن هناك لامبالاة مقصودة هدفها التخلص من شعوب بأكملها، والتي تعتبرها أمريكا والنظام الامبريالي فائضة عن حاجة الأنظمة الاحتكارية اللاإنسانية

أترك تعليقاً

التعليقات