البورصة السياسية والإعلامية
 

طاهر علوان

طاهر علوان الزريقي

فجأة وعلى نحو غير متوقع، قامت الدنيا وحتى الآن لم تقعد، وشهدنا تذبذباً شديداً في بورصة السياسة الدولية والإعلامية لمقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، جريمة شنيعة وتستحق الاهتمام، وحياة الإنسان -أي إنسان كان- ليست رخيصة ومهدرة بهذا الشكل الفظيع، بحيث تقطع وتعلب وترسل عبر حقائب وطرود دبلوماسية، لمجرد أنه طالب النظام الملكي الدموي ببعض الإصلاحات الهامشية، والتي لا تقدم ولا تؤخر في ثوابته. نحن مع حقه الإنساني بأن يقول رأيه، مع اختلافنا الكلي معه في أكثر من قضية جوهرية، وخاصة تبريره لسلمان وابنه المعتوه عدوانهم على اليمن، إلا أن قتله بهذه الطريقة الإجرامية الدنيئة والخالية من أي شعور إنساني، يثبت وحشية وهمجية النظام القمعي الملكي حتى مع أقرب المقربين ممن يقف مع النظام ويسنده قلباً وقالباً. 
مقتل الصحفي السعودي وتلك الضجة الإعلامية الهائلة، وتغطية الحدث على مدار الساعة، واحتلاله الخبر الأول في أغلب الوسائل الإعلامية، يثبت بوضوح نفاق وتواطؤ إعلام تلك الدول المضلل والمجرد من المصداقية، في الوقت الذي فيه شعب بأكمله يدمر ويقتل بشكل يومي، ويمارس ضده أبشع الجرائم والإبادة الجماعية، والحصار الاقتصادي، وأفظع النكبات والكوارث الإنسانية في تاريخ البشرية، نتيجة تحالف العدوان الأمريكي السعودي، والذي أهدر من الأرواح اليمنية البريئة مئات الآلاف، أين ذلك الإعلام مزدوج المعايير من تلك الضحايا، وقصف المستشفيات والمدارس والمرافق الحيوية؟ ألا يعد ذلك إجراماً وأعمالاً إرهابية في حق الإنسانية؟! أين تلك الدول الغربية التي تتباهى بالدفاع عن الإنسانية وحقوقها المشروعة في العيش الكريم الحر، وتدعي الدفاع عن الأمومة والطفولة، مما يحصل من جرائم في اليمن؟
أغلب تلك الدول متواطئة مع العدوان، بل تسعى لتحميل الضحية مسؤولية القتل والدمار. تلك هي عادة الاستعمار حينما يتعلق الأمر بمصالحه الاقتصادية، أو مع أولئك الذين انساقوا مع مخططاته الاستعمارية، تلك الدول التي تدعي الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير، وخاصة (أمريكا)، تلك الدول المتطورة تستخدم وسائل الإعلام للعب دور أخطر مما تلعبه وسائل القمع المباشر وغير المباشر في دول العالم الثالث، لإرغام عامة الناس على تقبل جملة من الوجبات السياسية الجاهزة، حيث تتمكن الطغمة الحاكمة من التحكم في توجهات الشعوب وفي خياراتهم السياسية المصيرية باستمرار.
إذا كان القمع توأم التخلف، ويستطيع خنق الحريات والعقول دون أن يستطيع حرمانها من حق التفكير في أن يكون لها تنظيماتها السرية، فإن العالم المحكوم بثورة الاتصالات المذهلة وبوسائل التقنية الإعلامية الأكثر تقدماً، يستطيع التحكم عن بعد بعقول العامة وصياغة آرائهم وأفكارهم لتبدو في نهاية المطاف كأنها ملكهم وبمجهودهم الخاص، في حين أن الأمر في حقيقته لم يتجاوز للحظة تحييدهم عن الاهتمام بالقضايا الأكثر أهمية، وإغراقهم في منظومة من التفاهات الصغيرة التي لا تنتهي. ومع كل ذلك ومن المؤكد أن قطار المصالح الاقتصادية والتسلح بين أمريكا والسعودية، سيظل منطلقاً نحو غاياته التدميرية، ولن يتأثر أو يتوقف لمجرد حادثة مفتعلة هنا أو هناك، أو اغتيال شخص مهما كانت أهميته السياسية والإعلامية.

أترك تعليقاً

التعليقات