حرب طويلة أم قصيرة؟
- هيثم خزعل الأثنين , 6 أبـريـل , 2026 الساعة 1:15:09 AM
- 0 تعليقات

هيثم خزعل / لا ميديا -
في بداية الحرب توقعت أن تكون الحرب قصيرة. لماذا؟ لأن إيران ضغطت زر السلاح النووي الخاص بها: إغلاق مضيق هرمز، أو نصف الزر، إذا ما أضفنا إليه في مرحلة لاحقة مضيق باب المندب.
يجمع كل المحللين والقارئين أن الإدارة الأمريكية تائهة ولا تملك استراتيجية للخروج من الحرب ولا لتحقيق أهدافها، وهي كما شرحت في بداية الحرب تتمثل بهدف رئيسي وحيد هو الاستيلاء على نفط إيران لا لحجبه عن العالم، بل لإضافته لنفط فنزويلا والخليج والولايات المتحدة نفسها، وابتزاز دول العالم بعد العجز عن ابتزازها بالحروب التجارية.
تحقيق هذا الهدف كان يستلزم تكرار النموذج الفنزويلي وهو ما لم يحصل، من هذه اللحظة أدركت ساسة الولايات المتحدة أنهم خسروا الحرب لكنهم كانوا قد تورطوا وبدأت الأزمة تكبر.
لا أعرف لغاية اليوم لماذا تستمر الحرب؟ وما هو الهدف منها؟ وأتحدث هنا من زاوية الولايات المتحدة، وإذا أردنا محاولة فهم ما تفعله الولايات المتحدة اليوم في إيران فيمكن إجماله بما يلي:
ضرب البنى التحتية المدنية لمحاولة الضغط على إيران لتليين موقفها وكسر تصلبها، وهو ما يبدو غير مجديا لغاية اليوم.
أما من زاوية إيران، فإن الحرب على فداحة أثمانها قد كرست فرصة لتحقيق الهدف الأمريكي مقلوبا أو معكوسا، فبدل أن تضيف الولايات المتحدة إلى رصيدها 20٪ أخرى من نفط العالم كأداة ابتزاز لترضخ دوله، بات مصير هذه العشرين بالمائة بيد إيران التي كرستها وقائع الحرب ليس كقوة إقليمية كبرى فحسب، بل كقوة دولية تمسك بعنق العالم عبر السيطرة على المضيق في تجل عظيم لعبقرية الجغرافيا.
هذا الحال جعل الحرب تراوح مكانها، وجعل الطرفين يديران التصعيد دون الوصول إلى خيارات صفرية تحرقهما وتحرق العالم معهما، بمعنى أن نزيف الاقتصاد العالمي يبقى أفضل من أن يدخل هذا الاقتصاد في «كوما» أو في غرفة العناية المركزة، لذلك تضرب الولايات المتحدة البنى التحتية المدنية في إيران بالتقسيط، وتسمح إيران استنسابيا بمرور بعض السفن من مضيق هرمز محاولة إثبات حسن نيتها تجاه العالم، كما ترد بتناسب على أي هجوم يطال منشآتها النفطية أو بناها التحتية، وبرغم هذه المحاذير فإن الاقتصاد العالمي لن يحتمل أن تستمر هذه الحالة طويلا، والعامل الأكثر ضغطا هو الوضع الداخلي المتآكل في الولايات المتحدة، لذلك توقعت أن لا تأخذ هذه الحرب نمط الاستنزاف البنيوي قياسا إلى الحرب الروسية الغربية في أوكرانيا.
وإذا كان معظم المراقبين والرئيس ترامب نفسه لا يعلمون كيفية الخروج من الحرب ولا يملكون استراتيجية للخروج منها فإن بإمكاننا تخيل ماذا تبقى في جعبة الولايات المتحدة من خيارات:
1. السيطرة على جزيرة خارك وتعطيل تصدير النفط الإيراني وهذا خيار غير منطقي لأن جل ما تحاول الولايات المتحدة فعله هو تجاوز أزمة الطاقة التي سببتها الحرب وهي قد رفعت العقوبات عن النفط الروسي والنفط الإيراني لمحاولة امتصاص أزمة الطاقة.
2. الضغط بوتيرة أكبر في تدمير البنى التحتية المدنية والرد المتناسب من إيران وهذا يعني أن الحرب ستدور لفترة في المربع ذاته من الاستنزاف الحاصل.
3. استعمال السلاح النووي التكتيكي والتسبب بكارثة إنسانية لكسر قدرة إيران على القتال وفرض الاستسلام عليها وهو الخيار الراجح بنظري لكنه سيكون آخر الخيارات.
4. محاولة فتح المضيق بالقوة العسكرية وبمشاركة من يرغب من الدول المتضررة وتحاول إيران جعل الولايات المتحدة في عزلة عسكرية وإفشال أي تكتل ضدها بإبدائها نوايا حسنة لجهة السماح بمرور الناقلات ولو بقدر لا يكسر أضرار الحصار النفطي الكبير.
ثمة من يقدر على إضافة خيار أو إثنين وتبدو كافة الخيارات منطقية لكنها لا لن تقلب نتائج الحرب الاستراتيجية ولن تنهي الأزمة.
إن صعوبة انسحاب الولايات المتحدة من الحرب تكمن في أن ما بات على المحك هو الهيمنة الأمريكية على العالم، والانسحاب دون تحقيق أهداف الحرب يعني الإقرار بالفشل في تجديد الهيمنة، وهو يعني أن يستأنف التاريخ مساره الموضوعي، وتستأنف الولايات المتحدة انحدارها السريع.
هذه الحرب ألحقت أضرارا بأثمن الأصول الأمريكية وهي أصول شكلت ركائز الهيمنة على العالم: السيطرة على الملاحة البحرية، و«الناتو»، و«إسرائيل»، والخليج كركيزة لمنظومة البترودولار.
إن الكارثة هنا تكمن في تداعيات الأزمة التي فجرها هواة السياسة في الولايات المتحدة بتدشين حربهم على إيران والضرر الكبير الذي يطال الاقتصاد العالمي واقتصاد دول الجنوب قبل غيرها، حيث العالم مقبل بعد الحرب على عملية جراحية كبرى تنهي كل الهندسة الغربية التي حصلت بعد الحرب العالمية الثانية، سوف تفلس معظم الدول وستتخلف أخرى عن سداد ديونها، ستنهار دول وتتوسع أخرى وسيصبح النفط والغذاء للأقوى، وستتقطع سلاسل التوريد وتفلس شركات كبرى.
باختصار، سيُعاد تشكيل العالم كله، لذلك قلت للأصدقاء ألا يستعجلوا نهاية الحرب لأن ما يدور في ذهنهم من نماذج حول نهاية الحرب واستعادة حياة ما قبل الحرب هو وهم. استعدوا للتحولات الكبرى التي سوف تضرب العالم.










المصدر هيثم خزعل
زيارة جميع مقالات: هيثم خزعل