المذبحة السورية «المستمرة»
 

هيثم خزعل

هيثم خزعل / لا ميديا -
للمرة الثانية يتم توريط «علويي» سورية في مذبحة على يد انكشارية تركيا.
من يعرف تركيبة تركيا الديموغرافية وتوزع العلويين فيها (وهم بالمناسبة يشكلون النواة الصلبة للمعارضة ولحزب الشعب الجمهوري، فيما يشكل «السنة» نواة الإمبراطورية أي تركيا التي تتمدد خارج حدودها)، يعلم أن أي محاولة لسلخ الساحل عن سوريا أو «استقلال علويي سوريا» بسلطة ذاتية سينعكس حكما على «علويي تركيا» الذين سيسعون للانفصال عن الدولة المركزية في حال ضعفت.
ثمة مجازر كثيرة حصلت إثر انهيار الإمبراطورية العثمانية، حيث رسمت الحدود بالنار والدم إثر تدخل الدول الغربية، وأيضا حصل أنه بمجرد ضعف السلطة المركزية للإمبراطورية دخلت القوى الغربية إلى جغرافيتها من بوابة حماية الأقليات.
تركيا شأنها شأن إيران هي من أكثر الدول تشظيا من حيث تركيبتها. وبما أن الاتجاه التاريخي الحالي هو اتجاه إعادة انبعاث الإمبراطوريات على إثر التداعي المستمر للهيمنة الغربية فإن الأقليات الساعية للانفصال تضع رقبتها على سكين الإمبراطورية عاجلا أم آجلا، وحيث إن لـ«إسرائيل» مصلحة في تفتيت الجغرافيا العربية بعد إسقاط الدول القومية فإن «إسرائيل» تقدم نفسها بوصفها حليفا طبيعيا للأقليات فيها، بينما ردود الفعل الهستيرية للجماعات التركية في سوريا تخدم «إسرائيل» من حيث تدري أو لا تدري.
تقامر الأقليات بمستقبل وجودها في المنطقة بسعيها للانفصال وبتعويلها على رعاية «إسرائيلية» غربية فيما المطلوب هو طرح العلاقة مع الأكثرية السنية على بساط البحث بكل شفافية.
لقد سقطت فكرة الدولة القومية وفكرة العلمانية التي ارتدتها الأقليات وغالت في اعتناقها لنفي واقع كان يلتهب كالجمر تحت الرماد، سقطت هذه الأفكار في تركيا نفسها الطامحة لاستعادة إمبراطوريتها، والتي زج زعيمها بخصومه في السجون وفكك نواة المعارضة الطامحة لاستعادة قواعد الجمهورية ضاربا بالديمقراطية عرض الحائط.
يجادل دوغين اليوم بأن الديمقراطية وما يتفرع عن الليبرالية الغربية من نماذج سياسية ليست كتبا مقدسة، ويشير واقع استمرار بوتين في السلطة وأردوغان والرئيس الصيني والمرشد الإيراني وما جرى في الهند من تحولات إلى أن التاريخ يعمل باتجاه إعادة بعث الإمبراطوريات بعد قرن من ترسيخ وقائع فرضتها الهيمنة الغربية على العالم.
هذا الانبعاث سيكون دموياً، وهو للآن كلف أكثر من مليوني قتيل في أوكرانيا، وقد يكلف الأوكران وجود أوكرانيا نفسها، لذلك يجب أن تتعظ النخب في منطقتنا وتحاول تجنيب الناس مذابح جديدة.

أترك تعليقاً

التعليقات