رفع سقف التحرُّر
 

علي كوثراني

علي كوثراني / لا ميديا -
أنا واحدٌ من بضعة أشخاصٍ قلائل لم تأخذ هذه الانتخابات الرئاسيَّة في لبنان، كما باقي الاستحقاقات الكيانيَّة عموماً، الكثير من اهتمامهم؛ ليس من باب اللامبالاة طبعاً، وإنَّما لكونها لا تعدو في حقيقتها نتائجَ جانبيَّةٍ لصراعٍ أعمَّ وأشمل.
فضَّلت ومازلت أفضِّل أن أتناول جوانب هذا الموضوع كمرآةٍ لكشف نفاق وحقيقة رهانات بعض الأطراف بطريقةٍ ساخرةٍ لا بأس أن تكون جارحةً في كثيرٍ من الأحيان، وذلك أوَّلاً لخفَّة الموضوع وأصحابه الأساسيِّين، وثانياً للترفيه عن النفس، وثالثاً والأهمُّ لسببٍ ليس مناسباً شرحه الآن.
ولكن لكي لا تُفهَم هذه المقاربة كنوعٍ من الفوضويَّة التي أمقتها، أجد نفسي مجبراً على الخوض في صلب الموضوع لتبيان رأيٍ أدَّعي أنَّه يقوم على فهمٍ صحيحٍ لجوهر وطبيعة الصراع في العالم وانعكاساته على بلادنا.
فلمَّا كان الصراع الأساس في العالم موضوعه ثروات الكوكب ومقدَّراته وأسواقه التي تهيمِن عليها الويلات المتَّحدة وتنهبها، وكان التناقض الرئيسيُّ قائماً بين هذا النهب من جهةٍ وبين حاجات وحياة ومستقبل باقي الشعوب من جهةٍ أخرى، ومتجسِّداً بصعود دولٍ وشعوبٍ حول العالم للتحرُّر من هيمنة هؤلاء الناهبين عبر مغالبتهم إلى حدٍّ بدأ معه المركز الرأسماليُّ بالانزياح من الغرب إلى الشرق...
ولمَّا كانت منطقتنا ساحةً أساسيَّةً من ساحات هذا الصراع، وكان للهيمنة الغربيَّة فيها -بحسب د. روبير بشعلاني- منظومةً متكاملةً تقوم على مرتكزاتٍ صلبةٍ هي: التجزئة الاستعماريَّة والكيانات الكسيحة التي خلقتها، والكيان المخفر - الحاجز الذي زرعته، واقتصاد الريع الذي منعتنا من استبداله، والناطور القرابيُّ (نسبةً إلى القبيلة، العشيرة، العائلة، الجهة، الطائفة... إلخ) الذي أعادت إنتاجه...
فلا يغيبنَّ عن بال أحدٍ أنَّ من نتائج القبول ببعض مرتكزات الهيمنة، كارتضاء هذا الكيان الكسيح وطنّاً نهائيّاً واقتصاد الريع معاشاً وحيداً ونواطير الطوائف المعتمَدين من الغرب شركاءَ حصريٍّين، أنَّه في أحسن الأحوال ما أمسى لك سيصبح غداً لقوى الهيمنة ولك، بينما يبقى ما لها لها وحدها.
ذلك أنَّك تخسر نصف المعركة سلفاً عندما تلعب على ملعب منظومة الهيمنة في المنطقة وبقوانينها. فتخيَّل مثلاً ماذا كان سيحلُّ بأبناء الجنوب لو تمَّ الاعتماد على الجيش اللبنانيِّ والقوَّات الدوليَّة! أو ماذا كان سيحلُّ بالمقاومة نفسها لو اعتمدت شكل الجيش الكلاسيكيِّ واحترمت الحدود والإرادة الدوليَّة! فكيف نُفعِّل المنطق العام للأمور في مسألةٍ ثم نُعطِّله في مسائلَ أخرى؟!
من هنا، وحتَّى لو نجحت المقاومة وحليفها الباقي (باقٍ إلى متى؟) بإيصال المرشَّح الذي تثق به إلى الرئاسة، فإنَّ الصفات الشخصيَّة الحميدة المفترضة في المرشَّح لا تكفي وحدها، وهي إن وجدت فعلاً وبقيت قد تُخفِّف قليلاً قسوة هذه القاعدة، ولكنَّها حتماً لن تلغيها أو تبطل مفاعيلها.
ولذلك لا بدَّ من رفع سقف التحرُّر إلى مصاف مشروعٍ شاملٍ يضمُّ بالإضافة إلى هدم الكيان المخفر - الحاجز هدم باقي مرتكزات الهيمنة الغربية في بلادنا، أو على الأقلِّ خفض سقف الطموح، فلا يشطح كثيراً عن الواقع المرير ويتسبَّب بالصدمة والخيبة.
ومع ذلك، وحده المشروع التحرُّريُّ الشامل الضمانة لنا جميعاً، ووحده يحفظ الكريم ويردع اللئيم، فبدونه يفسد وفاء الكريم بعد أن تتعبه السباحة وحيداً في السياسة والاجتماع والاقتصاد ضدَّ تيَّار الهيمنة، فيظلمك بعد أن ظلمته بتحميله عبئاً لا طاقة له به. أمَّا اللئيم بدونه فسيُظهِر حقيقة معدنه ويستفحِل بطمعه وغدره ضدَّك، ومَن لم يُصدِّق بعد، فلينظر إلى أداء عون وصهره في عهدهما لكي يُصدِّق!

* كاتب لبناني

أترك تعليقاً

التعليقات