أيام في مصانع الرجال
 

عبدالملك سام

عبدالملك سام / لا ميديا -
في اليوم الأول تشعر كأنك طفل تركه والداه في أول يوم له في المدرسة؛ الوجوه غريبة، والأماكن والمشاعر والقوانين غريبة، حتى الأصوات والأضواء تشعر بها مختلفة وكأنك انتقلت إلى كوكب آخر! تبدأ تسأل نفسك: ما الذي أتى بي إلى هنا؟! تداري خوفك وأنت تشاهد الغرباء من حولك وهم يستكشفون معك هذا العالم الجديد. تبحث عن مكان خاص لك، وتحفر لك سريراً في التراب، ثم تغلق عينيك لعلك تصحو لتجد نفسك في منزلك الدافئ وفراشك الوثير؛ ولكن هذا لا يحدث!
في اليوم الثاني تتعلم كيف تتعايش مع الطبيعة حولك، فقد قضيت ليلة ليلاء مع أصوات الوحوش والحشرات، ونهضت في الصباح بعينين متورمتين من قلة النوم، تعاني من الصداع وانعدام التركيز، وكل مفاصلك تؤلمك من الإرهاق. يأتي الشاي ومعه وجبة الإفطار، وتتعلم درس اليوم: المشاركة. بعد الإفطار تتحضر لتتسلم عدتك، وتنقسم المجموعة إلى مجموعات، وتبدأ بالتعرف إلى أفراد مجموعتك ومدربيك. وعندما تخلو بنفسك في نهاية اليوم تسأل نفسك مرة أخرى: ما الذي أتى بي إلى هنا؟!
مع الأيام تلاحظ أنك بدأت تألف أشياء لم تعرفها من قبل، فتتعلم كيف تتعايش مع الطبيعة من حولك، ومكانك يغدو مريحاً، وتتعلم معنى الأخوة، وتستسيغ العيش هناك، وتشعر بأن صحتك باتت أفضل، ولياقتك تحسنت، ونظرك صار حديداً، وجسمك بات كالصخر... تتعلم كيف تكون جزءاً من مجموعة، وتختلق عادات جديدة، وتتخلص من أمراض العصر. رفاقك باتوا أهلك، وأنت فرد من المجموعة التي بت تعتمد عليها ويعتمدون عليك. تضحك من سقطاتك، وتستمد من تشجيعهم القوة على الاستمرار. وعندما يأتي الليل تتعلم كيف تنام قرير العين لأن هناك من يسهر لأجلك كما تفعل أنت.
بعد مدة يأتي المدرب ليخبرك بأنك دخلت مرحلة جديدة. تحمل عدتك وتودع المكان الذي اعتدت عليه لأيام، وتلتحق بالرفاق في المسير. لقد تغيرت فعلاً، فما عادت الأشجار والليل وأصوات المخلوقات تخيفك. صرت تستطيع أن تحدد موقعك ووجهتك وفي أي يوم أنت. صرت تستطيع أن تعيش على القليل وتستحم في الهواء وتنام في أي مكان. لقد نسيت الجوع والعطش والأرق. ومع الأيام يتغير جسمك، فتتخلص من الدهون واللهاث والقلق. والأهم من هذا كله أنك بت تفكر بذهن صاف، فتعرف ما المهم حقاً، وتسخر من تلك الأفكار التي كنت تراها مشاكل كالجبال!
الآن صرت محارباً أسطورياً كالذين قرأت عنهم في الكتب يوماً ما، وأصبحت تستطيع أن تتعرف على الأسلحة كأنك ولدت معها. تعرف أشياء ما خطرت ببالك يوماً، كالقنابل والقذائف وعياراتها، والأسلحة واستخداماتها. صرت تستطيع أن ترصد الآليات وتدير الخطط كقائد محنك، بل إنك تعلمت كيف تدوخ الأقمار الصناعية وتتفادى المسيرات. صرت تعرف كيف تتصرف في ساعات الالتحام والمواقف الجسام. أنت الآن مستعد لمواجهة المستحيل فتقهره، والمواقف التي ستسطرها لاحقاً ستكتب في كتب التاريخ، وستقرأ الأجيال القادمة عن رجال الله فيتعلمون منهم معنى البسالة والبطولة. ويكفيك فخراً أنك صرت من رجال الله.

أترك تعليقاً

التعليقات