خطيئة القوة 1
 

أحمد عز الدين

أحمد عز الدين / لا ميديا -
أحسب أن حسابات موازين القوى العسكرية في صيغها المادية المباشرة، ليست صالحة لأن تعطيك إجابة دقيقة عن توجه البندول الاستراتيجي لهذه الحرب (الأمريكية -»الإسرائيلية») ضد إيران، ذلك أنك لا تستطيع أن تمسك بقاعدة الميزان العسكري والاستراتيجي لهذه الحرب، دون أن تمسك في الوقت ذاته بقاعدة الميزان العقائدي والثقافي والحضاري لطرفيها، وربما تستطيع أن تتلامس مع قواعد الميزان الأخير من خلال توصيف قاعدتي ميزان التفاوض اللتين كان يجلس على إحداهما قبل أسابيع قليلة من الجانب الإيراني (لاريجاني) ويجلس على الجانب الآخر (ويتكوف) و(كوشنر).
على الجانب الأول مفكر وفيلسوف أبحرا في محيطين كبيرين من أصول الفلسفة الغربية هما (كانت) و(ديكارت) ممسكان بدفة اليقين، داحضان نسبية الحقيقة، ونظرية المعرفة في الفكر الغربي، وعلى الجانب الثاني شخصان يتعاملان كسمسارين محترفين مع التاريخ والواقع والبيئة، بمفهوم صفقة تجارية أو مضاربة عقارية في بورصة الدم.
ذات يوم كتب مفكر فرنسي كبير هو (فوكو) معادلة قصيرة متوهجة كان نصها يقول: «الذاكرة هي القوة»، ويقيني أن هذه المعادلة بالدرجة الأولى هي حد السيف الفاصل بين القوة (الأمريكية -«الإسرائيلية»)، والقوة الإيرانية فوق هذا المسرح الإقليمي الكبير، ويقيني أيضا أن هذه المعادلة هي حد السيف الفاصل بين موقف مصر في قواعدها الشعبية الممتدة والواسعة، وموقف سواها من هذه الحرب، وهو موقف عميق وأصيل، يؤكد أن الذاكرة التاريخية وفي قلبها الذاكرة الاستراتيجية ما تزال ثابتة في العقل الجمعي المصري، وأنها المصدر الحقيقي للقوة والثبات.
لا سبيل مع ذلك سوى فتح ممر مضيء أمام عدد من الحقائق التي ينبغي أن تسبق القفز فوق تضاريس مسرح العمليات:
أولاً: أن الإمبريالية الأمريكية تتحول في أوج أزمتها الذاتية الخانقة إلى طور متخلف في التاريخ، يكاد أن يكون أكثر تدنيا من الظاهرة الاستعمارية نفسها، ذلك أنها أصبحت أقرب إلى موجات الحملات الصليبية التي جاءت مدفوعة بأزمة الإقطاع والانفجار السكاني في أوروبا، محولة القوة العسكرية إلى استثمار اقتصادي، مستندة إلى نزعة ثقافية ودينية متطرفة، مجبولة على أن تحول نفسها إلى بديل حضاري وثقافي مهيمن باستخدام القوة المسلحة، ولذلك فإن أمريكا تعود إلى نطفتها الأولى عندما كانت واحدا إلى أربعين من مساحتها الحالية تحت عنوان خفي هو صهر خرائط «الشرق الأوسط»، وتوسيع حدود الإمبراطورية بالحديد والنار، محاولة أن تصحح أوضاعها المختلة بنهب «الشرق الأوسط» واحتلاله تماما كما صححت الإمبراطورية الرومانية أوضاعها على مشارف انهيارها بنهب القسطنطينية.
ثانياً: تشكل هذه الحرب المرحلة السادسة من الاستراتيجية الأمريكية ضد الإقليم، وهي مفردة في الاستراتيجية القديمة التي صاغها المحافظون الجدد، تحت عنوان «القرن الأمريكي الجديد» وخطوطها تمتد إلى ما قبل الفتح الاستراتيجي لضرب العراق، وهي موقعة مسبقا في تقرير (راند)، وبالتالي لا هي حرب ترامب ولا هي وليدة ضغوط نتنياهو، وإنما هي المولود الجديد لحزب الحرب في الولايات المتحدة، وهو حزب من بين أذرعته البنتاجون والـ«دي آي إيه» و«السي آي إيه» ورؤوس المجمع الصناعي العسكري، وخيوط شبكة نفوذ عليا من رجال المال في الغرب كله، مما يجعلها حرب الشركات أكثر من كونها حرب الدولة.
ثالثاً: لقد حددت الثقافة العسكرية الأمريكية نفسها بقوالب ذاكرتها العسكرية وهي ذاكرة محدودة العمق تتشكل شرائحها من تاريخها العسكري في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر حيث لم يصادف الأمريكيون خصما لقدراتهم، لا الهنود الحمر ولا المكسيكيون الذين اقتطعوا منهما ثلث المساحة التي تتمدد فوقها الإمبراطورية، ولهذا آمن الأمريكيون دوما بأن يكسبوا معاركهم بنصر مطلق، منذ حربهم ضد إسبانيا 1898 إلى الحرب العالمية الأولى 1917 إلى الحرب العالمية الثانية 1942، ولهذا خانتهم ثقافتهم العسكرية كلما واجهوا أوضاعا مختلفة عن تلك التي شكّلت فكرهم الاستراتيجي وهو أمر أكثر وضوحا الآن مما كان عليه في حروب كوريا أو فيتنام أو أفغانستان.
رابعاً: لقد تحدث (توينبي) عن الخطيئة في التاريخ، وعلى وجه التحديد خطيئة القوة، وهو لم يسبغ على القوة معنى أخلاقيا، وإنما معنى حضاريا، لكن خطيئة القوة الأمريكية هذه المرة أنها وضعت نفسها في مواجهة مفهوم جديد هو الجغرافيا الثقافية، وهو ليس بديلا لمفهوم الجغرافيا الاستراتيجية، ولكنني أحسب أن الأول يكاد أن يحتوي الثاني، ويكاد الثاني أن يكون بعضا من مكونات الأول.
خامساً: إننا أمام سلوك إمبراطورية مأزومة، وصلت إلى حالة من الشيخوخة، وهي تبني أحلاما على أوضاع قد تقادمت حد التآكل، تدفعها إلى حتفها نخبة تمثل قاع المجتمع الأمريكي، بل قاع المجتمع الإنساني كله، فكرا وقيما وأخلاقا، فهي أقرب إلى عصابات المافيا سلوكا فقاداتها وأسطع وجوهها تستثمر بنفسها ولنفسها في الحرب، وتعمل صيادة للمال في برك الدم، ولك أن تطالع في كثير من الأوراق السيارة ما دخل إلى جيب كوشنر، قبل ويتكوف، أو كليهما قبل ترامب، بالمليارات.
وإذا كانت نخبة ترامب ذاتها هي التعبير الصافي عن مستوى الانحدار الذي وصلت إليه الليبرالية الجديدة فإن ترامب نفسه هو التعبير الذاتي الأكثر لمعانا عن آخر طور منحط في هذه الإمبريالية.
سادساً: في الأحاديث المكررة لجنرالات أمريكا و«إسرائيل» عن إعادة ترميم الردع ما لا يستحق التوقف من منظور استراتيجي خالص، حتى لو كان سبيله هو الزج بوحدات من القوات الخاصة والمحمولة جوا، إذ لا شيء في الفقه العسكري اسمه «ترميم الردع»، لقد سقط الردع كحائط من زجاج بمجرد إطلاق الطلقة الأولى.
إن عنوان الفشل الأمريكي يكاد أن يكون موجزا في سطرين من تقرير اللجنة «الإسرائيلية» التي شكلها رئيس الأركان «الإسرائيلي» (آيال زمير) للتحقيق في الفشل «الإسرائيلي» في مواجهة أمواج «طوفان الأقصى» وهما نصا: «فشل منظومي كامل وليس خطأً تكتيكيا» و»إن الجيش لم يفهم تغير طبيعة الخصم»، واللافت للنظر في ادعاء «ترميم الردع» بنقل قوات خاصة ومحمولة جوا، أن أمريكا التي وضعت قواعدها في الخليج على مرمى لا تطوله سوى الصواريخ الإيرانية تشحن وحداتها وقواتها في مدى ضيق تطوله الأسلحة الصغيرة.
سابعاً: بعد مرور أربعة أسابيع مشبعة بحسابات خاطئة، وتقديرات موقف منحرفة، ومفاجآت صاعقة، وبعد أن انتزعت إيران المبادرة الاستراتيجية، أغلب الظن أن أمريكا بدأت رحلة الشك في قدراتها، ولذلك فإن الصيغة الراهنة للعقل السائد في منظومة القوة الأمريكية، لا تحتوي إلا على خيارين هما: التصعيد الرأسي لضرب إيران مساحيا، لتدمير كل الأصول الاستراتيجية التي يملكها الشعب الإيراني، ودفع الأوضاع إلى مزيد من الهدم وبرك الدم والفوضى، دون حساب دقيق لمستوى الردود غير المنظورة التي تملكها القوة الإيرانية، والثاني التصعيد الأفقي بفتح الباب واسعا أمام آلة الحرب هنا وهناك لهدم الإقليم كله فوق رؤوس أصحابه، بدفع دول إقليمية أخرى إلى الدخول في ساحة المواجهة، وإن كان هذا بدوره لن يحقق نصرا استراتيجيا.
إنني أحد الذين يعتقدون أن الهزيمة بالنسبة لأمريكا و«إسرائيل» في هذه الحرب أقل تكلفة، وأرخص ثمنا من محاولة استحلاب نصر مراوغ يصعب الإمساك به، بمزيد من التصعيد غير المحدود في مستوى القوة العسكرية.

أترك تعليقاً

التعليقات