طوفان الأقصى في الميزان الاستراتيجي
 

أحمد عز الدين

أحمد عز الدين / لا ميديا -
أكثر ما يمكن أن نقع فيه من خطأ، أن يتم احتجاز الناس في اللحظة الراهنة، فلا يرون ما قبلها ولا ما بعدها، ذلك أن أكثر المحاولات إلحاحا الآن، هي التي يتم بذلها من أجل إقناع جمهور عربي واسع، بأن "طوفان الأقصى" هو الذي فتح سماوات المنطقة كي تهبط منها مقدمات الحرب العالمية الثالثة بالمظلة الواقية، فهو الذي استدعى الأساطيل والمدمرات والغواصات وأسراب الطائرات، في مياه البحرين المتوسط والأحمر، وبالتالي فهو الذي يتحمل المسؤولية كاملة عن تصدع أمن الإقليم، وعن نذر صدام كبير وحريق هائل، ستتحول فيه أجزاء كبيرة إلى وقود، بينما كانت ورود السلام تتفتح في هدوء، ومعزوفات التطبيع تصدح بين التخوم.
والحقيقة أن ذلك كله محض وهم ومحض إيهام، فقد كان الإقليم كله يُدفع دفعا إلى حالة مماثلة، يجري بناء قواعدها بدأب، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية و"إسرائيل" يقطعان الطريق إليها عدوا، ولذلك كان توقيت الدخول الاستثنائي لـ"طوفان الأقصى" في عمق المشهد عنصرا مباغتا، ومفاجئا، وضاغطا، أضاف متغيرات عاصفة أمام الاستراتيجية الأمريكية أربكت الحسابات، وعدلّت في الموازين.
أولاً: في خطابه قبل أسابيع أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عمد نتنياهو إلى التأكيد على أمرين، كان أولهما إبراز خريطة جديدة لـ"إسرائيل" تضم غزة والضفة الغربية كاملتين معا، وكان ثانيهما أنه ضغط في خطابه على دمج مفردة تتعلق باستخدام السلاح النووي، بينما تم استبدالها وحذفها من الخطاب عند طباعته وتوزيعه.
وفي التوقيت نفسه تقريبا كان الجيش "الإسرائيلي" ينهي مناورة عسكرية، استمرت ثلاثين يوما استخدمت فيها جميع المنظومات من غرفة قيادة واحدة، واستخدمت فيها كافة المنصات بالذخيرة الحية من "القبة الحديدية" إلى "مقلاع داوود"، و"حيتس 2"، و"حيتس 3"، وتحركت على عدة محاور، غزة جنوبا، وحزب الله شمالا، والشمال الشرقي ثم إيران، بينما كانت الطائرات "الإسرائيلية" تخوض تدريبا على التزود بالوقود في الجو، في مناورات امتدت من "إسرائيل" حتى إسبانيا، باعتبارها تطبيقا عمليا على المسافة من "إسرائيل" إلى إيران.
ثانياً: أن الولايات المتحدة وقبل بضعة أسابيع من "طوفان الأقصى" اتسعت تحركاتها العسكرية، وأثقلت ميزان تواجدها العسكري في الإقليم، على نحو بالغ الوضوح، وفي ما يبدو لي فإن مجمل هذه التحركات وما صاحبها من زيادة في ثقل الوجود العسكري الأمريكي، كان يعني في المحصلة النهائية إعادة تشكيل وتهيئة المسرح الإقليمي تمهيدا لعملية عسكرية كبرى.
لقد أعادت الولايات المتحدة قبيل عملية "طوفان الأقصى" أجواء الغزو الأمريكي للعراق، فقد اتسعت تحركات الأسطول السادس في البحر الأبيض، والخامس في البحر الأحمر، ووصلت إلى المنطقة حاملتا الطائرات "أبراهام لنكولن" و"جورج واشنطن"، وكان آخر وصول سابق لهما في عام 2003 مع الفتح الاستراتيجي لضرب العراق، في الوقت الذي تم فيه تعزيز القواعد الأمريكية في الخليج، فقد تم زيادة أعداد القوات الأمريكية في العراق بنسبة 25%، وفي الكويت بنسبة 20%، وفي 6 أغسطس 2023 كان وزير الدفاع العراقي، وعدد من القيادات العسكرية قد تم استدعاؤهم إلى واشنطن، حيث أبلغوا رسميا بأن الولايات المتحدة تتجه إلى بناء منطقة عازلة، بين التنف في الأردن والوليد في العراق، والبوكمال في سوريا والقائم في العراق، وأن الولايات المتحدة ستمسك بهذه المعابر من الناحية السورية مع إبعاد قوات الحشد الشعبي عن هذه المعابر، وعن محافظتي نينوى والأنبار في العراق، وعن مناطق غرب الفرات لمسافة لا تقل عن 30 كيلومترا (لقطع الإمدادات عن حزب الله إذا استمرت المواجهات معه لمدة شهر واحد، حسب التقدير الأمريكي)، بينما أرسلت أمريكا إلى أربيل في شمال العراق قاذفات ثقيلة من طراز بي 52، وتحركت من قاعدة "عين الأسد" التي تم دعمها بسد ناري، أرتال من القوات الأمريكية دخلت إلى سوريا، لتعزيز القواعد الأمريكية هناك، مع سعي أمريكي واضح لاحتلال شرق الفرات وربط محافظات السويداء ودرعا والتنف، بينما كان يتم في شمال شرق الأردن تعزيز "قاعدة التنف" مع تدريبات بالذخيرة الحية، لمواجهة احتمالات متوقعة للهجوم بطائرات مسيرة، في وقت كانت القاعدة البريطانية قرب عمان تستقبل مزيدا من القوات.
وحين رست إحدى حاملات الطائرات الأمريكية، على سواحل اليمن قرب باب المندب، توجه أحد الصحفيين بالسؤال إلى بايدن قائلا: "أليس من حق هؤلاء العرب في البحر الأحمر، أن يعرفوا لماذا دخلت البحرية الأمريكية إلى هناك؟"، وجاءت إجابة بايدن مشحونة بكثير من الخيلاء والاستعلاء، والإحساس بسطوة القوة، وامتلاك المكان، فقد أجاب بالنص: "هذا ليس من شأنهم".
لقد كان ذلك كله سابقاً على "طوفان الأقصى"، وقبل أن تدخل بعد ذلك حاملة الطائرات "جيرالـــد فـــــورد" تصاحــبها 6 قطع بحرية، وغيرها من القوة البحرية الأمريكية، وقبل أن يتم دخول السفينتين الحــــربيتــين البريطــانيتــــين "إكواس" و"ليم باي"، وقبل أن تتمدد قوات الناتو إلى شرق المتوسط، وقبل أن يصبح تعبير "الردع الإقليمي" هو العنوان الثابت في الأحاديث المكررة للبنتاجون.
إن أولئك الساخطين على "طوفان الأقصى"، لأنها أربكت حسابات السلام والتطبيع والاستقرار، بائسون، ويائسون، وهم لا يرون من المشهد إلا بعدا وهميا ضيقا؛ لأن "طوفان الأقصى" لم يربك حسابات السلام الزائف، ولا الاستقرار الهش، وإنما أربك حسابات الحرب، بينما كانوا يمهدون المسرح الإقليمي لها، ويوقدون نارها.
إن ما كتبته في هذا الحيز هو مجرد تكثيف شديد لما كتبته على امتداد عامين في الأقل، عن تحولات الاستراتيجية الأمريكية. فقد كان تقديري مبكرا جدا أن الاستدارة الاستراتيجية الأمريكية من أفغانستان هدفها "الشرق الأوسط" تحديدا دون سواه، فقد أعلنت أمريكا انسحابها من أفغانستان في 31 آب/ أغسطس 2021، وبدأت أول مناورة بحرية مشتركة بين الأسطول الخامس الأمريكي والبحرية "الإسرائيلية" في باب المندب في اليوم التالي مباشرة، أي في يوم 1 أيلول/ سبتمبر 2021.
لقد شارك الرئيس بايدن في جلسة اجتماع لمجلس الحرب "الإسرائيلي"، وتطلع مبتسماً إلى الخرائط العسكرية، ومنحها الرضا والمباركة. لكن أكثر ما استوقفني فيما تسرب أو سُرب من مناقشات وتعليقات من الجانبين في هذه الجلسة، هو ما قاله أحد القادة العسكريين "الإسرائيليين" كتقدير موقف من جانبه، وكان نصه تقريباً: "إذا لم نحقق في هذه الحرب نصراً حاسماً، فسوف نفقد المكانة، ولن نستطيع تنفيذ خططنا الاستراتيجية". وفيما أحسب فقد كان تقدير موقف صحيحاً على هذا الجانب؛ لكن إذا عكسناه على الجانب الآخر، أقصد الجانب العربي، فسيعبر بدوره عن تقدير موقف دقيق وصحيح، أي أننا إذا لم نمنع "إسرائيل" في الحد الأدنى من تحقيق نصر حاسم، فإننا لن نفقد المكانة فقط، ولكننا سنفقد المكان أيضاً، ذلك أننا لن ندخل في مرحلة "النكسة"، وإنما في مرحلة "النكبة".
في حرب 1948 لم تكن هناك شاشات يمكن أن ترى فيها بيوتاً تتهدم بالقنابل والصواريخ فوق ساكنيها، ومستشفيات تفجر فوق جرحاها وأطقمها الطبية... لم يرَ أحد فوق الشاشات شهداء وضحايا وأشلاء أطفال، ودماء تفيض ساخنة من صنابير مفتوحة، حتى لكأنها تكاد أن تقطر من الشاشات فوق المقاعد وأطباق الطعام وملابس المشاهدين وأسرّة النوم...
إن الناس في عموم الإقليم يُحقنون في وجبات متتالية بفيروسات نشطة تحت جلودهم، سرعان ما تتكاثر وتتضاعف، وكلما اشتد قوس الغضب تحت تأثيرها، مع غلبة الإحساس بالعجز والهوان، أطلق هذا القوس سهاماً مشتعلة تصوّب نفسها في كل اتجاه، وأي اتجاه.
إن نتائج حرب 1948، التي حيل فيها بين الجيوش العربية وبين أن تمنع العدو من أن يحقق نصراً حاسماً، سرعان ما تحولت إلى زلزال عصف بكل الأبنية السياسية والفكرية والمجتمعية، بل والثقافية، حتى وصل إشعاعه إلى عمود الشعر العربي نفسه، فعمد إلى تحطيمه كغيره من الأبنية والقواعد، لتدخل الأمة بكل عواصمها الحضارية التاريخية، في مراجعة شاملة بالقوة الجبرية أزالت بموجبها النخب والطبقات والخلايا القديمة، التي أصابها كثير من الوهن والتآكل، لتجدد نفسها قبل أن تجد نفسها في مواجهة مرحلة ممتدة من الصراع.
إن بايدن لم يتجاوز الصواب عندما قال حرفياً في "تل أبيب": "نحن في لحظة فارقة في التاريخ، والقرارات التي سنتخذها الآن ستحدد المستقبل لعقود قادمة". وقد كان لزاماً أن يكون رجع الصوت على الجانب الآخر: "نحن أيضاً في لحظة فارقة في التاريخ، والقرارات التي سنتخذها الآن ستحدد ما إذا كنا سنبقى في التاريخ أو سنخرج منه لعقود قادمة".
باختصار أرجو ألا يكون مخلا، فإن الهدف الاستراتيجي الحال لأمريكا و"إسرائيل" والغرب عموماً، هو تحقيق انتصار حاسم، أي انتصار استراتيجي، وهو ما يُعرّف بأنه ما يبقي على نتائجه الزمن، وذلك ما يتحتم معه أن يكون الهدف الاستراتيجي العربي والإقليمي المضاد هو منعهم، أياً كانت التصورات أو الأدوات أو الأسلحة، من تحقيق انتصار استراتيجي على غرار حرب عام 1948، أي انتصار يبقي على نتائجه الزمن.
ودون ذلك فإن بواطن الخطر ستكون أكبر بكثير من مظاهر الزلل.

أترك تعليقاً

التعليقات