المونديال..كأسٌ سقط ألِفُها*
- علي عطروس الأثنين , 13 يـولـيـو , 2026 الساعة 12:20:03 AM
- 0 تعليقات

علي عطروس / لا ميديا -
في الرابع من تموز/ يوليو 2026، وبينما كانت البشرية المسلوبة تحبس أنفاسها وهي تتابع معركة مصر والأرجنتين في ثمن نهائي المونديال، كان ثمة «ديمقراطية» صهيونية: طائرة مسيّرة تحوم فوق حي الصبرة في غزة المنكوبة. لم تكن تلك المسيّرة النازية تبحث عن رادار أو منصة صواريخ، بل كان هدفها الاستراتيجي رجلاً اسمه محمد فواز الوحيدي، مدير العلاقات العامة باللجنة المصرية. «جريمته النكراء» التي استحق عليها «الإعدام» صعقاً بالصواريخ أنه تجرأ على نصب شاشات عرض مباريات كأس العالم ليمنح الغزاويين المحرومين ساعة فرح مخطوفة.
تحولت سيارة الوحيدي إلى كرة من اللهيب. وفي الساعة نفسها كانت حسابات القطعان الصهيونية على منصة «إكس» ترقص طرباً وتكتب بوداعة «هدية دعم جميلة للأرجنتين خلال لقائها مع مصر». هذا هو المونديال في زمن اللعنة، حيث لا يقتل الفقر والجوع وحدهما بل تطارد صواريخ الاحتلال كل من يحاول تهريب الابتسامة إلى شفاه الأطفال.
قبلها بأيام كان صنم الرأسمالية الأمريكية، دونالد ترامب، منهمكاً في غرفة عمليات كروية تليق ببلطجة الكاوبوي. المهاجم الأمريكي فولارين بالوغون تلقى بطاقة حمراء مستحقة أمام البوسنة والهرسك، ما يعني حرمانه حتماً من لقاء بلجيكا؛ لكن ترامب، الذي يرى العالم مجرد عقار مملوك له، رفع سماعة الهاتف واتصل برئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا - النصف التحتاني لترامب)، جياني إنفانتينو، والذي لا يمكنه إلا أن يخلع «الكُلوت».
«لقد لطخ نزاهة اللعبة إلى الأبد» كما كتب روبيرت رايش، وزير العمل الأمريكي السابق، في «الغارديان» متسائلاً: «كيف لأحد أن يثق بفوز أمريكا بعد اليوم؟!». لكن ذروة الكوميديا السوداء تكمن في أن بالوغون نفسه، الذي استمات ترامب لإنقاذه، وُلد في نيويورك لأبوين نيجيريين؛ أي أنه حصل على الجنسية بموجب حق المواطنة بالولادة، وهو القانون ذاته الذي يحارب ترامب لإلغائه. وتكمن هنا مفارقة مضحكة مبكية في آن واحد: دافع ترامب عن لاعب لم يكن ليملك أهلية تمثيل أمريكا لو طبق مشروع ترامب العنصري نفسه.
وفي تمظهر آخر لهذه الفاشية الرياضية، مُنع الحكم الصومالي عمر أرتان من دخول الأراضي الأمريكية، بينما يجبَر المنتخب الإيراني على النوم في المكسيك وعدم دخول أمريكا إلا يوم المباراة.
لم يكن ترامب ليستبيح الملاعب لولا أن الفيفا تحول إلى كارتل احتكاري فوق قومي.
في كتابه الصادم (Red Card The 2026 World Cup Sportswashing and the FIFA Greed Machine) يكشف أستاذ العلوم السياسية جولز بويكوف كيف دفنت اللعبة الشعبية لصالح دورة مالية تقترب من 13 مليار دولار (2023 - 2026)، حيث النجاح يقاس بالعقود لا بالأهداف. فبينما كانت نيويورك ونيوجيرسي تفتحان تحقيقات في ممارسات التسعير المتغير ونهب الجماهير عبر التذاكر، كان «الفيفا» يبتكر بدناءة فترات ترطيب إلزامية لا علاقة لها بصحة اللاعبين، بل بزيادة أرباح الإعلانات، التي مددت وقت المباريات ست دقائق إضافية على الأقل.
كان مارادونا قد تنبأ بذلك قبل سنوات من اغتياله. إنها الرحلة الحزينة من المتعة إلى الواجب، التي نعاها الأديب الأوروغواياني إدواردو غاليانو في كتابه «كرة القدم بين الشمس والظل»، إذ تستأصل البهجة لصالح الماكينة. فقد لخص هذا التحول قبل رحيله بعبارة موجعة: «تاريخ كرة القدم هو رحلة حزينة من المتعة إلى الواجب. كلما تحولت هذه اللعبة إلى صناعة جرى استئصال البهجة التي تولد من رغبة اللعب لمجرد اللعب».
ولم يقف العهر عند المال، بل تعداه إلى التكنولوجيا الموجهة؛ إذ جرى اعتماد الكرة الذكية (AI Ball) المزروعة بالشرائح، والتي بدت في أهداف ميسي الثلاثة الأولى كأنها كلاب صيد تبحث عن قدمه لتتجه كالسهم نحو المرمى. أما نظام الـ(VAR) فقد صار أسطورة للتلاعب؛ إذ يكفي أن تتحرك إصبع الفني على الشاشة ليزاح خط التسلل سنتيمترات كفيلة بإعدام أي هدف شريف. هذا ما حدث تماماً في لقاء مصر والأرجنتين، بعد أن ألغي هدف إيراني سابق، وهدف مصري في هذه المباراة، بحجة قاعدة تسلل لم تطبق من قبل، وهو ما دفع الثعلب البرتغالي جوزيه مورينيو للصراخ غضباً: «ما تم في مباراة مصر والأرجنتين عملية سرقة في وضح النهار. هدف الأرجنتين الأول تسلل، ومصر حُرمت من ركلة جزاء. من العار ما أصبحت عليه كرة القدم».
على ذكر المجرمين، ففي تقريرٍ موسوعي نشره موقع «180 بوست»، غاص مازن الغول في الوجه المظلم للمونديال كاشفاً كيف وظفت الديكتاتوريات هذه المجزرة الرياضية من موسوليني 1934 إلى كأس العالم في روسيا 2018. لكن الصورة الأكثر بشاعة تمثلت في مونديال الأرجنتين 1978، حيث كانت جماهير البائسين تهتف لأهداف ماريو كيمبس في ملعب «مونيومينتال» بينما على بُعد خطوات قليلة وداخل جدران المدرسة الميكانيكية للبحرية (ESMA) كان جلادو الدكتاتور فيديلا يسحقون عظام المعارضين السياسيين الذين كانوا يستمعون لأصداء هتافات الملعب وهم يموتون في أغلالهم.
التاريخ يعيد نفسه اليوم. غزة تُذبح والفيفا يقبض المليارات.
إننا في الأمتار الأخيرة من رحلة السقوط من الإنسان الرسالي إلى السلعة المعروضة في مزاد النفط والغاز.
ففي البدء كانت الكرة مجرد كرة، وكان الإنسان مجرد إنسان يركض خلفها. لم يكن هناك عقود بملايين الدولارات، ولا شركات رعاية تحول اللاعبين إلى لوحات إعلانية متحركة، ولا خوارزميات تحدد مسار الكرة قبل أن تلمسها قدم... في البدء كان هناك «سقراط».
لم يكن سقراط (Brasileiro Sampaio de Souza Vieira de Oliveira)، قائد منتخب البرازيل في مونديالي 1982 و1986، مجرد لاعب كرة قدم؛ كان طبيباً؛ كان مناضلاً سياسياً؛ كان يحمل على كتفيه شارة الكابتن وفي قلبه هموم الفقراء والمضطهدين. لم يكن يلعب من أجل المال، بل كان يلعب «من أجل توحيد الناس وإدخال الفرحة إلى قلوب المحرومين».
في زمن الدكتاتورية العسكرية في البرازيل كان سقراط يرفع قبضته احتجاجاً؛ كان يعلن بصوته العالي أن اللعبة ليست مجرد تسلية، بل هي أداة للنضال. وعندما اعتزل لم يذهب إلى استوديوهات التحليل الرياضي، بل عاد إلى عيادته الطبية يقدم العلاج مجاناً للفقراء والمحتاجين، وكأنه كان يقول للعالم: «خدمة البشر أعظــــم من أي بطولة. الكـرة وسيلة وليست غاية».
سقراط هو النموذج الأصلي الذي سنقيس عليه كل من جاء بعده. إنه الإنسان الذي لعب الكرة. إنه الضمير الذي سكن المستطيل الأخضر قبل أن يطرده السماسرة.
ثم جاء دييغو ارماندو مارادونا. لم يكن مجرد لاعب، بل كان أسطورة؛ كان ظاهرة؛ كان «إلهاً» للفقراء والمهمشين في كل أنحاء العالم. لكنه، وعلى عكس سقراط الذي اختار العزلة النبيلة، اختار التمرد العلني. لقد تحدى المنظومة. في مونديال 1990 وقف أمام جماهير نابولي متحدياً المافيا الإيطالية التي كانت تستخدمه، وقال: «شجعوا الأرجنتين، وليس إيطاليا». وبعد ذلك بأقل من ساعتين على منصة التتويج -وقد سلبوه التاج وأعطوه للألماني الأبيض رومينيغه- وقف وهو يذرف الدموع أمام رئيس «الفيفا» في ذلك الوقت هافيلانج، رافضاً مد يده لمصافحته.
تلك كانت بداية النهاية. فمارادونا -كما كشفت التحقيقات لاحقاً- «لم يمت بأزمة قلبية طبيعية. لقد تُرك ليموت بدم بارد». الأطباء والممرضون أهملوه. مُنع عنه الاتصال ببناته. اختفت ثروته الغامضة. والتحقيقات القضائية الأرجنتينية وجهت تهمة «القتل غير العمد مع سبق الإصرار» لثمانية من فريقه الطبي. لماذا؟ لأنه كان يعرف الكثير؛ لأنه كان سيفشي أسرار المافيا وكرة القدم السياسية.
مارادونا هو النموذج المأساوي. إنه الضحية التي تكشف الوجه القبيح للعبة. إنه العبقري الذي أُعدم مرتين: مرة في مونديال 1994 بفضيحة المنشطات المُدبرة، ومرة في نوفمبر 2020 في ذلك المنزل المعزول. سقراط عالج الفقراء ومات مكرماً. مارادونا تحدى الأقوياء فقُتل مغدوراً.
ثم جاء كريستيانو رونالدو وليونيل ميسي. لم يعودا مجرد لاعبين؛ لقد أصبحا «علامتين تجاريتين»، «شركتين مساهمتين»، «إمبراطوريتين ماليتين».
خذ رونالدو. في اللحظة التي كان فيها «الفخ الغربي» يغلق عليه بعد أن تحدى شركات المشروبات الغازية وفضح جشع مالكي ناديه مانشستر يونايتد، وجد المنقذ في الشرق: شيوخ البترودولار في السعودية، الذين تربطهم علاقة مصالح مع المنظومة الغربية ورأس المال. كانوا مستعدين لتعويض أي خسائر تسبب فيها، مقابل أن يصبح «سفيراً» لمشروع غسيلهم الرياضي لوسخهم السياسي. النقاش ليس في موهبته، بل في تحوله من متمرد على النظام إلى أيقونة محمية بجدران من الذهب الأسود. هل أنقذه البترول؟ نعم؛ لكنه أيضاً جعله جزءاً من منظومة جديدة اجتمعت لو تذكرون قبل أشهر في مأدبة ترامبية على «شرف» ابن سلمان.
أما ميسي، والذي بدوره قد استقبله جو بايدن من قبل، فقصته أكثر تعقيداً. طفل شُخص بنقص هرمون النمو. احتاج إلى علاج مكلف. وهنا تبرع «مستثمرون» بتكاليف العلاج، ليس حباً في موهبته، بل ليكون «مختبراً لتجربة تلك الهرمونات». السؤال الذي يطرح نفسه ليس عن عبقريته، بل عن حقيقة ما تم حقنه به. هل كانت مجرد هرمونات نمو عادية، أم أن هناك شيئاً آخر أكثر تعقيداً وأعمق خطورة، تم تمريره تحت هذا العنوان البريء؟ ميسي بلا شك -كما رونالدو- من أعظم المواهب في التاريخ؛ لكنه في الوقت نفسه نتاج عصر تتقاطع فيه الرياضة مع التكنولوجيا، والموهبة مع الاستثمار، والإرادة مع التجارب الخفية. إنه الأسطورة التي قد تخفي وراءها «تجارب تعديل جيني».
لم يعد السؤال هنا عن الموهبة، بل عن من يصنع الموهبة؟ سقراط صنع نفسه. مارادونا كان هبة طبيعية مدمرة. رونالدو وميسي أصبحا مشروعين استثماريين. هذه هي القفزة النوعية في تحول اللعبة.
وأخيراً، نصل إلى كيليان مبابي. إنه «المنتج النهائي» لكل ما سبق. إنه موديل الجيل الذي لم يعد يخفي شيئاً. مبابي ليس مجرد لاعب كرة قدم. إنه «دولة داخل دولة». إنه «قوة سياسية واقتصادية». لقد تجاوز حدود الملعب ليصبح صانع قرار. تدخل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون شخصياً في قضيته مع باريس سان جيرمان. مبابي هو «آيدول» الجيل الذي يفاوض على حقوق الصورة كما يفاوض على راتبه. إنه الجيل الذي يدرك تماماً أنه سلعة ويتقن لعبة تسويق نفسه ببراعة.
انظر إلى قصته في هذا المونديال. سيناتورة من باراغواي تسيء إليه فيرد عليها بمنشور حاد. ماكرون نفسه يخرج ليكتب على «إكس»: «هدف آخر لكيليان مبابي؛ لكن هذه المرة ضد العنصرية». الرئيس الفرنسي يدافع عن أصله التجاري علناً! مبابي هو «اللاعب-المؤسسة».إنه يمثل العصر الذي أصبح فيه اللاعب علامة تجارية تحميها الدولة/ الكارتل، لا مجرد مواطن يلعب لمنتخب بلاده.
سقراط عالج الفقراء مجاناً. مارادونا وضع وشماً على كتفه معارضاً الغزو الأمريكي للعراق. رونالدو وميسي أصبحا مليارديرين مجوقلين. أما مبابي فهو «الجنرال» الذي يدير إمبراطوريته بنفسه.
ها هي الرحلة كاملة في أربعة فصول:
بدأت بسقراط حيث كان اللاعب إنساناً يحمل رسالة نبيلة، ثم جاء مارادونا حيث كان اللاعب متمرداً دفع حياته ثمناً لتحديه المنظومة، ثم جاء رونالدو وميسي حيث تحول اللاعب إلى مشروع استثماري تصنعه المختبرات وتحميه أموال النفط.
وأخيراً وصلنا إلى مبابي حيث أصبح اللاعب «منتجاً نهائياً» و»علامة تجارية» يديرها بنفسه وتحميها الدولة/ الكارتل/ المنظومة.
لم تعد كرة القدم لعبة جميلة؛ لقد صارت مسرحية مكتوبة بأيدٍ خفية تباع للمغفلين كمنافسة شريفة.
لقد ارتدت أحذية الرأسمالية القذرة أقدام التراب، فأصبحت كرة القدم كما الكرة الأرضية عاريةً ومعلقة بين «سنتيانة» ميلوني وشاكيرا وبين «كلوتات» إنفانتينو وترامب.
*عنوان ديوان شعري للشاعرة نبيلة الزبير.










المصدر علي عطروس
زيارة جميع مقالات: علي عطروس