عثمان الحكيمي

عثمان الحكيمي / لا ميديا -
في قلب خرائط التوتر، تتقلص المسافات وتصبح خطوط التماس أقرب مما يُتَوَقَّع. فجأة، لم تعد المسافة بين صنعاء و»تل أبيب» حاجزاً، بل جسراً من نار يمتد من عمق التاريخ اليمني ليضرب قلب الاحتلال الصهيوني. الصواريخ التي انطلقت من اليمن لم تكن مجرد أسلحة تحمل العزة والعنفوان فقط، بل رسائل صادمة تهزّ الوعي «الإسرائيلي»، تهمس في أذن «تل أبيب» بأن السماء التي اعتقد الاحتلال أنها حصن حصين لا يُخترق لم تعد محصنة بعد الآن.
القصة لم تكن عن صواريخ فحسب، بل عن تحطيم مرآة وهم التفوق الدفاعي؛ المرآة التي اعتادت «تل أبيب» أن ترى فيها نفسها حصناً منيعاً، والسماء فوقها منطقة آمنة لا تُخترق. التحدي القادم من أعماق اليمن لم يكن مجرد جسم معدني، بل فكرة تحدٍّ وجودي، تزعزع يقين الاحتلال، اخترقت هذه المرآة وتركت فيها شقاً عميقاً. ومن ذلك الانفجار المفاجئ، لم تعد سماء «تل أبيب» صافية، بل أصبحت مليئة بثقوب سوداء تبتلع اليقين، وتزرع الخوف في نفوس من اعتقدوا أن الأمان لهم وحدهم.

انهيار وهم الدفاعات الصهيونية
في البداية، حاول الإعلام الصهيوني تخفيف وقع الصدمة، واصفاً الصواريخ اليمنية بأنها «محاولات فاشلة» و»اختبارات محدودة». لكن الحقيقة، مثل الماء، تجد طريقها دائماً. تسربت أخبار الفشل من غرف العمليات، وبدأ الاعتراف بالإخفاقات يظهر على صفحات صحيفتي «يديعوت أحرونوت» و»معاريف» الصهيونيتين، فيما ثبت أن منظومات الدفاع الجوي، مثل «القبة الحديدية» و»مقلاع داوود»، فشلت في اعتراض صواريخ باليستية متطورة أطلقت من اليمن. هزيمة دفاعية؛ لكنها كانت أكثر من تقنية: كانت صدمة نفسية أزاحت الغبار عن وهم الأمان المطلق. وصوت صفارات الإنذار لم يكن مجرد إنذار، بل إعلان لتغير الواقع الجغرافي والسياسي للأمن الصهيوني. الخطر تجاوز الحدود التقليدية، وانتقل من غزة ولبنان إلى البحر الأحمر، وامتد آلاف الكيلومترات ليصل إلى قلب العمق الصهيوني، ليكشف هشاشة ما ظن الاحتلال أنه حصن منيع.

الكيان الصهيوني أمام تهديد متصاعد
مع تصاعد الهجمات، انتقلت القيادة الصهيونية من التهوين والصمت إلى التصعيد والوعيد العلني. في البداية، كان الصمت سياسة لامتصاص صدمة الداخل؛ لكن مع تأثيراتها المباشرة على البنية التحتية، بدأت التهديدات الرسمية تظهر بوضوح. تصريحات نتنياهو ووزير الدفاع باستهداف قادة القوات المسلحة اليمنية لم تكن مجرد خطاب إعلامي، بل اعترافاً صريحاً بقوة وتأثير الصواريخ اليمنية. التهديدات وُجهت للجمهور الصهيوني أكثر منها إلى صنعاء، محاولة لإعادة فرض السيطرة على الواقع. لكن الحقيقة أن ناراً قادمة من اليمن قد أفلتت من بين أصابعهم إلى الأبد.
لم تعد تصريحات التهديد تقتصر على الكلمات، بل تعكس واقعاً متغيراً يفرض نفسه على الساحة. يواجه الكيان الصهيوني تحديات متزايدة وضغوطاً لم يعد بمقدوره تجاهلها، فتصاعد نيران المقاومة اليمنية يعيد رسم موازين القوى. التهديدات لن تغير الحقيقة التي باتت واضحة للجميع: أن الاستقرار الذي يظنه البعض واقعاً ثابتاً، هو في حقيقة الأمر هش وضعيف. ومع استمرار هذا التوتر، يبقى السؤال: هل يستطيع الكيان التكيف مع هذا الواقع الجديد، أم أن الأوقات المقبلة ستشهد تحولات أكبر؟

اليمن.. حجر زاوية في موازين القوة الجديدة
في زمن تتغير فيه موازين القوى بسرعة، برز اليمن كحجر زاوية لا غنى عنه في هذه المعادلة. اليمن لم يعد مجرد ساحة إسناد، بل تحول إلى لاعب محوري يفرض نفسه في المعادلات الإقليمية. الصواريخ اليمنية، والمنظومات المتطورة، وربط الحرب بالصراعات الاقتصادية في البحر الأحمر، أثبت أن هذا الخصم ليس ثانوياً، بل قوة استراتيجية تضغط على الاحتلال من عمق الجغرافيا وحتى أعماق التخطيط الصهيوني. اليمن أعاد تعريف فن الردع، وأصبح لاعباً استراتيجياً لا يمكن تجاهله في رسم موازين القوى الجديدة في «الشرق الأوسط».
التأثير اليمني تجاوز حدود الساحات التقليدية للصراع، ليشمل أبعاداً اقتصادية وجيوسياسية تتفاعل مع المنافسات الإقليمية والدولية. قدرة اليمن على استنزاف العدو وتقويض استقراره تمثل تحدياً حقيقياً يفرض إعادة التفكير في استراتيجيات الاحتلال. الأمر لا يتعلق فقط بالصراع العسكري، بل برسم مستقبل المنطقة بأكملها، إذ يثبت اليمن يوماً بعد يوم أنه قوة لا يمكن تجاوزها أو تجاهلها في الصراع مع الكيان الصهيوني.

المواجهة المحتملة ومستقبل الصراع في «الشرق الأوسط»
اليوم، يواجه الاحتلال واقعاً جديداً: صواريخ اليمن ليست تهديداً عابراً، بل معركة طويلة الأمد، ويعرف كيان الاحتلال أنها تتطلب تغييرات جوهرية في الخطط العسكرية والسياسات الدفاعية التي فشل فيها. الإعلام يعترف بالصدمة، والشارع يعيش القلق، والقيادة الصهيونية تطلق تهديدات تعكس تردداً وحذراً. اليمن أصبح معادلة حقيقية لا يمكن تجاهلها، والفصل القادم في الصراعات الإقليمية لن يُحسم إلا بقدرة الأطراف على التكيُّف مع هذه المعادلة الجديدة، حيث لم يعد التفوق العسكري وحده كافياً، بل الحيلة، الصدمة، والقدرة على مفاجأة الخصم، أصبحت أدوات القوة الحقيقية. في هذا السياق تواجه القيادة الصهيونية واقعاً جديداً معقداً، حيث لم تعد المواجهات مع القوات المسلحة اليمنية خياراً ثانوياً أو طرفياً، بل أصبحت ضرورة حتمية تستدعي تخطيطاً استراتيجياً متقدماً من قبلها كما تقول.
رغم تعقيدات الحرب الشاملة التي قد تفرضها طبيعة المنطقة وتحالفاتها، يعترف الإعلام والشارع الصهيوني بحجم الصدمة، ويعيشان حالة من القلق المتصاعد تجاه الأفق المجهول للمواجهة. أما القيادة الصهيونية فتواصل إعلاناتها التحذيرية والتصعيدية؛ لكنها في جوهرها تعكس حالة من التوتر وتبحث عن استراتيجيات موازية لتثبيت توازن الردع. بكل المقاييس، دخلت المنطقة فصلاً جديداً في الصراعات، إذ لن تكون السيادة والهيمنة مقننة فقط بالقوة التقليدية، بل ستُقاس بقدرة الأطراف على التكيُّف مع تحديات غير مسبوقة مع بروز الأطراف الإقليمية التي كانت تُعتبر سابقاً هامشية.

أترك تعليقاً

التعليقات