قال لهم ما سيحدث.. فلم يسمعوا!
- فؤاد أبو راس السبت , 26 سـبـتـمـبـر , 2026 الساعة 12:21:18 AM
- 0 تعليقات

فؤاد أبو راس / لا ميديا -
في أزمنة الصراع، تكشف طريقة استخدام القوة عن طبيعة القيادة بقدر ما تكشفه نتائج الميدان. وفي المنهج القرآني، تسبق المسؤوليةَ إقامةُ الحجة، ويسبق العقوبةَ البيان، وتُمنح الأطراف فرصة لفهم العواقب قبل أن تصل الأحداث إلى نقطة يصعب عندها الرجوع. ومن هنا تصبح النصيحة والتحذير جزءاً من أخلاق المواجهة؛ فالقائد يوضح موقفه، ويبين حدود صبره، ويضع أمام خصمه الطريق الذي يقوده إليه اختياره، ثم يترك له مساحة المراجعة قبل أن تتحول الكلمات إلى أفعال.
ومن هذه القاعدة يمكن فهم جانب مهم من خطاب السيد عبد الملك الحوثي تجاه السعودية طوال سنوات عدوانها على اليمن. فقد ظل يحدد مواضع الخطر بوضوح، ويشرح النتائج التي يمكن أن تترتب على استمرار التصعيد، ويكرر المناشدات قبل الانتقال إلى مرحلة جديدة، ويكشف في محطات عديدة عن اتجاه الخطوات المقبلة بصورة تجعل الرسالة أقرب إلى إنذار معلن منه إلى تهديد غامض. وبهذا يصبح الخصم أمام صورة واضحة لما ينتظره، وأمام فرصة كاملة لمراجعة حساباته قبل أن تبدأ النتائج في الظهور على الأرض.
هذه الطريقة في إدارة الصراع تنطلق من معنى قرآني عميق يتبناه السيد عبد الملك الحوثي، هو إقامة الحجة على الخصم. فالمواجهة هنا تمر بمراحل أخلاقية وسياسية متدرجة: بيان الموقف، ثم نصيحة، ثم تحذير، ثم تحديد العواقب، ثم فرصة للمراجعة، وبعدها يأتي الفعل في إطار مسؤولية واضحة يتحملها الطرف الذي اختار الاستمرار في الطريق ذاته رغم معرفته بما سيترتب عليه.
ولهذا تكتسب العلاقة بين التحذير والنتيجة أهمية خاصة. فكلما سبقت الأحداثَ رسالةٌ واضحة ثم جاءت الوقائع في الاتجاه نفسه، تحولت تلك الرسالة إلى شاهد على أن الباب كان مفتوحاً أمام خيار آخر، وأن تجاهل الإنذار كان قراراً بحد ذاته. ومع تكرار هذه الدائرة يصبح سوء التقدير جزءاً من مأزق الخصم؛ لأن المشكلة تنتقل من نقص المعلومات إلى العجز عن فهم دلالاتها، ومن غياب التحذير إلى الإصرار على تجاوز معناه.
وعند هذه النقطة تتداخل السياسة مع القراءة الإيمانية للأحداث. السيد عبد الملك الحوثي يرى في هذا المسار صورة من صور الالتزام بمنهج قرآني يجعل الحجة مقدمة للفعل، ويربط القوة بالمسؤولية، ويعطي الخصم فرصة قبل أن يتحمل تبعات قراره. ومن داخل هذا الوعي يصبح تكرار النتائج بعد التحذيرات المتكررة دليلاً على سنن يرون أن الله يجريها في الصراعات؛ إذ يقود الغرور صاحبه إلى سوء التقدير، ويتحول الاستعلاء إلى حجاب يمنعه من قراءة الوقائع، ثم تأتي الأحداث لتكشف له حجم الخطأ الذي كان يستطيع تجنبه منذ البداية.
ولهذا تمتلك السعودية خصماً يخبرها مراراً بما يراه طريق السلام، ويحذرها من الطريق الذي يقود إلى التصعيد، ويعرض عليها المخارج قبل اشتداد المواجهة، ثم يحدد لها أحياناً طبيعة الخطوة التي ستأتي إذا استمرت في الخيار نفسه. هذه درجة عالية من وضوح الحجة؛ فالرسالة تصل قبل الفعل، والتحذير يسبق النتيجة، والفرصة تظل قائمة حتى اللحظة التي يختار فيها الطرف الآخر المضي في المسار ذاته.
ومع تكرار هذا المشهد تتشكل لدى اليمنيين قناعة بأن التمكين يرتبط بالثبات على هذا المنهج، وأن الله يفتح لمن يقيم الحجة ويتمسك بما يراه حقاً أبواباً تتجاوز الحسابات المادية المجردة. وحين تقابل القيادة السعودية تلك التحذيرات بعقلية القوة والاستعلاء، تصبح وفرة السلاح والمال جزءاً من المشكلة إذا حجب الشعور بالتفوق القدرة على قراءة الرسالة وفهم اتجاه الأحداث.
وهنا تبلغ الفكرة ذروتها: السيد عبد الملك الحوثي يضع أمام خصمه الحجة قبل أن يضعه أمام النتيجة. ينصحه، ويحذره، ويكشف له مسار التصعيد، ويمنحه فرصة المراجعة، ثم تأتي الوقائع لتختبر القرار الذي اتخذه. وهذا التسلسل يحمل معنى إيماني شديد الحضور؛ فكل تحذير أُهمل ثم جاءت نتيجته يتحول إلى شاهد جديد، وكل فرصة أُهدرت تصبح جزءاً من الحجة، وكل قوة دفعت صاحبها إلى الغرور يمكن أن تتحول بإرادته هو إلى سبب في انكشاف ضعفه.
وعندها تصبح العبرة أوسع من جولة عسكرية أو نتيجة سياسية؛ تصبح في أن البصيرة تسبق القوة، وأن حسن التقدير يحفظ صاحبه من أخطاء يصعب إصلاحها، وأن من يسمع التحذير ثم يمضي إلى المصير نفسه الذي حُذّر منه يقدم بنفسه دليل وشاهد حي على معنى التأييد والتمكين وعجائب القدرة الإلهية في قلب موازين القوة.










المصدر فؤاد أبو راس
زيارة جميع مقالات: فؤاد أبو راس