حين تكبر المعركة تتغير أحجام اللاعبين
 

فؤاد أبو راس

فؤاد أبو راس / لا ميديا -
تأتي في مسار الصراعات لحظات تعيد ترتيب المشهد كله، فتتغير مواقع القوى، وتتبدل الأدوار، ويصبح الوزن الحقيقي لأي طرف مرتبطاً بقدرته على صناعة القرار والتأثير في مسار الأحداث، وهنا يظهر الفارق بين من يمتلك قراره ومشروعه، وبين قوى يمنية ربطت حضورها السياسي والعسكري بالمظلة السعودية، واستمدت جانباً كبيراً من قدرتها على الحركة من الدعم والتمويل والتسليح والغطاء السياسي القادم من الرياض.
المواجهة التي تدور اليوم حول اليمن والمنطقة اتسعت إلى مستوى مختلف، وأصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بحسابات الولايات المتحدة و«إسرائيل» والممرات البحرية والمصالح الإقليمية والدولية، وهو تحول أعاد ترتيب أوزان المشاركين في الصراع، وقلّص المساحة التي كانت تشغلها القوى المحلية التابعة للمعسكر الذي أدارت السعودية جزءاً كبيراً من حركته طوال سنوات الحرب.
ومع اتساع هذا المشهد تظهر الأحجام الحقيقية بعيداً عن الضجيج، فالقوة تقاس بما يستطيع الطرف فرضه على خصومه، وبقدرته على تعديل الحسابات وصناعة المعادلات، بينما تكشف حركة الأحداث موقع القوى التي ظلت طوال سنوات مرتبطة بالموقف السعودي، تتحرك مع تحركاته، وتتقدم حين يفتح لها المسار، وتتراجع حين تتغير أولوياته، وتعيد ترتيب خطابها كلما أعادت الرياض ترتيب حساباتها.
هذه القوى ما زالت تنظر إلى نفسها من خلال صورة صنعتها سنوات الحرب الأولى، حين كانت المظلة السعودية تمنحها مساحة واسعة من الحضور الإعلامي والسياسي والعسكري. ومع انتقال المواجهة إلى مستوى إقليمي ودولي أكثر تعقيداً، أصبح وزنها الفعلي أكثر وضوحاً، وأصبح تأثيرها مرتبطاً بما تستطيع أن تقدمه داخل استراتيجية تتجاوزها وتُرسم خطوطها الرئيسية خارج دوائرها المحلية.
وحين تتغير طبيعة المواجهة تتغير معها معايير الأهمية، فالأسماء والتشكيلات التي ملأت المشهد تحت الراية السعودية طوال سنوات قد تتحول إلى تفاصيل محدودة داخل حسابات أكبر، والقوى التي اعتادت أن تستمد موقعها من قربها من الرياض تجد نفسها أمام واقع جديد تقاس فيه الأوزان بقدرة الطرف على صناعة الحدث وفرض نفسه في الحسابات الكبرى.
اليمن بدوره أصبح حاضراً في معادلات تتجاوز صراعات الداخل، فموقعه الجغرافي وقدرته على التأثير في طرق الملاحة وارتباطه المباشر بقضايا المنطقة منح المواجهة أبعاداً أوسع، وأصبح فهم ما يجري مرتبطاً بقراءة شبكة المصالح والضغوط والردع والتأثير التي تمتد من البحر الأحمر إلى فلسطين وإلى دوائر القرار الأمريكي و«الإسرائيلي».
لهذا تبدو بعض الأصوات المحلية القادمة من المعسكر المرتبط بالرياض وكأنها ما تزال تخاطب جمهورها من داخل مشهد قديم، فتمنح نفسها حجماً لم تعد التطورات تمنحه لها، وتتعامل مع الأحداث وكأن الصراع ما زال يدور حول مواقعها وجبهاتها وخطاباتها، بينما انتقل مركز الثقل إلى مستوى أوسع بكثير من حدود دورها السابق.
المعارك الكبرى تفرز الأحجام بدقة، وتضع كل طرف في موقعه الفعلي؛ من يصنع القرار، ومن يؤثر في الحسابات، ومن يمتلك القدرة على المبادرة، ومن ينتظر اتجاه البوصلة السعودية كي يعرف موقعه في الجولة التالية.
وحين تُقرأ الخريطة بهذا المعيار تتضح الصورة كاملة، وتكتشف القوى التي اعتادت العيش تحت مظلة الرياض أن المعركة كبرت كثيراً عن الحجم الذي منحته لها تلك المظلة طوال السنوات الماضية.

أترك تعليقاً

التعليقات