فؤاد أبو راس

فؤاد أبو راس / لا ميديا -
تظهر حقيقة السياسة السعودية تجاه اليمن حين تُجمع أحداث قرن كامل في سياق واحد، وتُقرأ الحروب والوساطات وشبكات الولاء بوصفها حلقات في مسار متصل. فمنذ حرب 1934، مروراً بثورة سبتمبر، والوحدة، وحرب 1994، وصولاً إلى حرب 2015، ظل سؤال واحد يحكم العلاقة بين البلدين: أي يمن تريده السعودية على حدودها؟
تكشف الوقائع أن الرياض ترتاح إلى يمن يمتلك من الاستقرار ما يحمي حدودها، ويعاني من الضعف ما يجعله محتاجاً إلى مالها ووساطتها وحمايتها؛ دولة حاضرة في الخرائط والمحافل الدولية، بينما يبقى قرارها السياسي والعسكري موزعاً بين مراكز نفوذ ترتبط بالخارج أكثر من ارتباطها بمؤسساتها الوطنية.
بدأت ملامح هذه العلاقة بعد حرب 1934 التي انتهت بمعاهدة الطائف ورسخت واقعاً جديداً على الحدود. ومنذ ذلك الوقت ترسخت في العقل الأمني السعودي نظرة إلى اليمن باعتباره مجالاً ينبغي ضبطه باستمرار، لأن تحوله إلى دولة قوية سيغيّر ميزان القوة في الجزيرة العربية. فاليمن يمتلك كتلة سكانية كبيرة، وسواحل طويلة، وموقعاً يشرف على باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن، وهي عناصر تمنحه فرصة التحول إلى قوة إقليمية متى امتلك مؤسسات فاعلة وقراراً مستقلاً.
ظهرت هذه السياسة عقب ثورة السادس والعشرين من سبتمبر عام 1962، حين دعمت السعودية القوى الملكية في مواجهة الجمهورية. كان قيام نظام جمهوري مدعوم من مصر الناصرية يمثل تهديداً مباشراً لحسابات الرياض. وحين استقرت الجمهورية، انتقلت السعودية من المواجهة إلى الاحتواء، وبنت علاقات مباشرة مع المشايخ والقادة والسياسيين.
تكوّنت خلال العقود التالية شبكة واسعة من المخصصات والولاءات، وأصبح بعض النافذين يستمدون قوتهم من علاقتهم بالرياض أكثر مما يستمدونها من الدولة. نشأت مراكز قوة موازية للمؤسسات، وأصبح القرار الوطني محكوماً بتفاهمات بين قوى محلية وعواصم إقليمية.
جاءت الوحدة عام 1990 لتضع هذه المعادلة أمام اختبار جديد. ظهر كيان يجمع الشمال والجنوب، ويمتلك مساحة واسعة وكتلة سكانية كبيرة وسواحل ممتدة ومؤسستين عسكريتين. كان نجاح هذا المشروع يعني ولادة دولة قادرة على إعادة صياغة علاقتها بالسعودية من موقع الندية. وعندما اندلعت حرب 1994، دعمت الرياض القوى التي أعلنت الانفصال، مستفيدة من الانقسامات الناجمة عن صراعات السلطة وفشل دمج المؤسسات.
بعد تسوية الحدود عام 2000، أصبح نظام علي عبدالله صالح أكثر قابلية للاحتواء، فهدأت المخاوف السعودية من الوحدة. تكشف هذه المرحلة أن وحدة اليمن كانت مقبولة حين ظلت السلطة قابلة للتأثير، ومقلقة حين اقتربت من إنتاج دولة مستقلة القرار.
جاءت ثورة الحادي والعشرين من أيلول/ سبتمبر لتقلب موازين المشهد اليمني، وتهدم جانباً واسعاً من منظومة النفوذ التي بنتها السعودية طوال أكثر من نصف قرن، مستندة إلى شبكة من الولاءات السياسية والقبلية والعسكرية. ومع صعود قوة وطنية أعلنت رفض الوصاية الخارجية، برز يمن جديد يسعى إلى التحرر من العباءة السعودية واستعادة قراره السياسي.
أدركت الرياض أن أدوات الاحتواء فقدت قدرتها على التحكم بالمشهد، وأن القوى التي اعتمدت عليها أصبحت عاجزة عن حماية نفوذها. عندها انتقلت من إدارة النفوذ عبر المال والوسطاء إلى استخدام القوة العسكرية المباشرة، فشنت حربها على اليمن في آذار/ مارس 2015 تحت عنوان إعادة الحكومة ومؤسسات الدولة.
تحول الاحتواء إلى قصف وحصار وتدمير وضغط اقتصادي، ودُفعت البلاد إلى واحدة من أقسى الأزمات الإنسانية والاقتصادية في تاريخها الحديث. تضررت المطارات والموانئ والمنشآت الخدمية، وتعرض الاقتصاد للاختناق، وتحولت الرواتب والعملة والغذاء والدواء إلى أدوات ضغط في معركة إخضاع القرار اليمني.
وهنا تتضح الإجابة: السعودية تريد يمناً يبقى داخل سقف نفوذها، يحتفظ باسمه وعلمه ومقعده الدولي، بينما تظل أدوات قراره موزعة بين الرعاية والضغط والحاجة. وكلما حاول اليمن الخروج من هذا السقف، انتقلت أدوات التأثير من الاحتواء إلى المواجهة.
تبدأ استعادة اليمن من بناء دولة تحرر القرار السياسي من التمويل الخارجي، وتوحد المؤسسة العسكرية، وتضع الثروات والإيرادات تحت سلطة وطنية مسؤولة، وتجعل الحكومة نابعة من الداخل وخاضعة لإرادة الشعب. عندها ينتقل اليمن من دولة تحمل اسمها ويُصادر قرارها إلى دولة تملك سيادتها ومواردها ومستقبلها، وتقيم علاقاتها مع السعودية وسائر دول المنطقة على قاعدة الندية والاحترام المتبادل.

أترك تعليقاً

التعليقات