مكافحة الفساد.. المعركة المؤجلة!
- فؤاد أبو راس الأحد , 5 يـولـيـو , 2026 الساعة 12:36:41 AM
- 0 تعليقات

فؤاد أبو راس / لا ميديا -
الحرب على الفساد ليست ملفاً إدارياً منفصلاً عن مواجهة العدوان، وليست قضية داخلية يمكن تأجيلها إلى ما بعد المعركة الكبرى؛ وإنما هي جزء أصيل من بنية المواجهة ذاتها. فالعدوان الخارجي، أي عدوان خارجي، لا يراهن على السلاح وحده، وإنما يراهن أيضاً على تفكيك الجبهة الداخلية، وإضعاف مؤسسات الدولة، واستنزاف ثقة الناس، وتحويل المعاناة إلى بيئة قابلة للغضب والفوضى والانقسام. ومن هنا يصبح الفساد، من حيث الأثر والنتيجة، إحدى الأدوات الأخطر التي تخدم أهداف العدوان، سواء أدرك الفاسد ذلك أم لم يدركه.
العدو في أي معركة لا يحتاج دائماً إلى عميل مباشر يرفع شعاره أو يعلن ولاءه له؛ أحياناً يكفيه مسؤول فاسد يبدد المال العام، أو متنفذ يعطل مصالح الناس، أو إدارة تقتل الكفاءة، أو شبكة مصالح تحول مؤسسات الدولة إلى أدوات خاصة. فالنتيجة العملية واحدة: إضعاف الدولة من الداخل. وحين تضعف الدولة من الداخل، يصبح الخارج أكثر قدرة على الضغط، وأكثر قدرة على الاستثمار في السخط الشعبي، وأكثر قدرة على تصوير نفسه وكأن المشكلة في مشروع المواجهة نفسه، بينما يكون جزء كبير من الخلل ناتجاً عن فساد داخلي ينهش الجبهة من خلفها.
من الناحية العلمية، يمكن فهم الفساد بوصفه عاملاً مهدداً للأمن الوطني؛ لأنه يستنزف الموارد التي كان يجب أن تتحول إلى خدمات ورواتب ومشاريع وصمود اقتصادي. ويشوّه القرار حين تصبح الأولوية للمحسوبية والمصلحة الضيقة بدل الكفاءة والمصلحة العامة. ويهدم ثقة الناس حين يرى المواطن أن التضحيات موزعة على الضعفاء، بينما الامتيازات محصورة في يد المتنفذين. ويضعف شرعية المؤسسات حين يشعر الناس أن خطاب الصمود لا ينعكس عدلاً في الإدارة ولا نزاهة في الأداء. كما يشل القدرة التنفيذية للدولة عندما تتحول اللوائح والقوانين إلى أدوات انتقائية بيد شبكات النفوذ.
لهذا فإن الفاسد، حتى وإن لم يكن مرتبطاً تنظيمياً بالعدو، يؤدي وظيفة موضوعية تخدمه، فالعدوان يريد إفقار المجتمع، والفاسد يسرق المال العام. العدوان يريد إنهاك المواطن، والفاسد يعطل الخدمات. العدوان يريد ضرب الثقة بين الناس والدولة، والفاسد يمنح الناس ألف سبب للغضب والشك. العدوان يريد تشويه صورة الجبهة الداخلية، والفاسد يقدم له المادة الخام لذلك التشويه. والعدوان يريد إضعاف المؤسسات، والفاسد يحولها من أدوات خدمة عامة إلى ممرات للمصلحة الخاصة. وهنا تتضح الحقيقة الجوهرية: الفساد ليس خطأً إدارياً عادياً في زمن العدوان، وإنما ثغرة استراتيجية في جدار الصمود.
المواجهة الحقيقية للعدو تقتضي فهم أدواته المركبة، فهناك عدوان عسكري وسياسي واقتصادي وإعلامي، وهناك أيضاً عدوان يعمل من خلال الثغرات الداخلية. أخطر هذه الثغرات أن يجد العدو بيئة رخوة، مثقلة بالظلم، مشحونة بالفساد، فاقدة للثقة، قابلة للاختراق. وعندما تترك هذه البيئة دون معالجة، تصبح المواجهة ناقصة، مهما بلغت قوة الخطاب، ومهما عظمت التضحيات. فالنصر لا يكتمل فقط بإفشال مخططات الخارج، وإنما يكتمل أيضاً بتجفيف منابع الضعف في الداخل.
ومن الخطأ التعامل مع مكافحة الفساد كمعركة جانبية أو ترف إداري أو شعار موسمي. هي معركة وعي قبل أن تكون معركة إجراءات. فالوعي الكافي بأساليب العدوان يعني إدراك أن العدو يستفيد من كل مسؤول فاسد، ومن كل مؤسسة مترهلة، ومن كل خدمة معطلة، ومن كل مظلمة بلا إنصاف، ومن كل مال عام ينهب أو يبدد. الوعي الكافي يعني أن حماية الجبهة الداخلية لا تتم بالشعارات وحدها، وإنما بالعدل، والمحاسبة، والشفافية، وترشيد الموارد، وتقديم الكفاءة، وإغلاق أبواب النفوذ غير المشروع.
ولذلك فإن من يفصل بين مواجهة العدوان ومحاربة الفساد لم يصل بعد إلى الفهم العميق لطبيعة المعركة. فالمعركة ليست على الحدود وحدها، وإنما داخل الإدارة، وداخل المؤسسات، وداخل طريقة توزيع الموارد، وداخل علاقة الدولة بالمواطن. وكل فساد يُترك بلا محاسبة يتحول إلى خندق مفتوح في ظهر الجبهة. وكل فاسد يُحمى أو يُبرر له يصبح عبئاً على الصمود، وخدمة مجانية للعدو، وطعنة في تضحيات الناس.
إن مواجهة العدوان التي لا تشمل حرباً جادة على الفساد ستظل مواجهة منقوصة؛ لأنها تقاتل الخارج وتترك الداخل مكشوفاً. أما المواجهة الواعية فهي التي ترى أن بناء الدولة العادلة، وتنظيف المؤسسات، وحماية المال العام، وإنصاف المواطن، ومحاسبة المتنفذين، كلها أسلحة استراتيجية في معركة التحرر والسيادة. فكما يحتاج الوطن إلى من يحمي حدوده، يحتاج أيضاً إلى من يحمي موارده وكرامة ناسه وثقة شعبه. ومن دون ذلك، يبقى الانتصار ناقصاً، وتبقى الجبهة الداخلية معرضة للاختراق من أخطر أبوابها: باب الفساد.










المصدر فؤاد أبو راس
زيارة جميع مقالات: فؤاد أبو راس