حين تتحول البشارة إلى سراب!
 

فؤاد أبو راس

فؤاد أبو راس / لا ميديا -
في قصيدة مثقلة بالأسئلة والوجع، يفتح الأستاذ صلاح الدكاك جرحًا قديمًا يتجدد في حياة الشعوب التي ظلت تطارد الخلاص، فإذا بها تعود في كل مرة إلى نقطة البداية. فالأمس «الذميم» في النص ليس زمنًا منقضيًا، بل حاضرٌ مستمر، وربما مستقبلٌ ينتظر دوره في إعادة إنتاج الخيبة.
تدور القصيدة حول مأساة الوعود الكبرى حين تتحول إلى سراب. فالناس يسيرون «بالمُنى»، يطوون الليل، يكسرون القيد، ويرتضون العدل، لكن الطريق لا يقودهم إلى الفجر المنتظر، بل إلى عتمة أخرى. وكأن الأستاذ صلاح يقول إن التحرر لا يكون بمجرد إسقاط القيد، بل ببناء وعي يحمي اليد التي ستصنع المستقبل...
وتبلغ القصيدة ذروتها حين تكشف عن أخطر أشكال الخديعة: أن يأتي الطغيان باسم العدل، وأن تحكم سلطة جديدة تحت راية حلم قديم. هنا لا يعود الخطر في العدو المكشوف، بل في من يرفع شعار الخلاص ثم يصادره، ويتحدث باسم الجائعين بينما «يطهو على جوعهم» شبعَه وسلطته.
كما يرث الأبناء في النص أحلام الآباء والأجداد، يرثون أيضًا ظمأهم. فالبشارة تنتقل من جيل إلى جيل، لكن أحدًا لا يصل إلى المورد. إنها صورة أجيال عاشت على وعد مؤجل، وماتت وهي تنتظر الفجر الذي كلما اقترب ازداد ظلامًا.
وفي خاتمته، يضع الأستاذ صلاح معيارًا أخلاقيًا حاسمًا: الدين الحق هو الذي يحرر الإنسان، لا الذي يستعبده. فحين يصبح الدين غطاءً للطغيان، أو تتحول الثورة إلى عرش جديد، يصبح السؤال واجبًا : أي خلاص هذا الذي يبنى فوق جوع الناس وكرامتهم؟
هذه القصيدة ليست مرثية للحلم فقط، بل محاكمة للذين اختطفوه. وهي تذكير موجع بأن الشعوب لا تُهزم دائمًا من أعدائها، بل قد تُنهك أكثر حين ينهشها الأقربون باسم المحبة، والعدل، والهداية؟

أترك تعليقاً

التعليقات