محمد الجوهري

محمد الجوهري / لا ميديا -
مع نهاية القرن التاسع عشر، كانت بريطانيا، وهي جزيرة بمساحة 300 ألف كم مربع، تحتل مساحة تتجاوز 35 مليون كم مربع ما يعادل ربع مساحة العالم، وهو الأمر الذي ما كان ليتسنى بالقوة العسكرية، وإنما بالقوة الناعمة التي أقنعت شعوب آسيا وأفريقيا بأن الثقافة الإنجليزية جاءت بالرفاهية والعدالة وتطوير الأرض والإنسان، ونقل البشرية من جحيم التخلف إلى فردوس التقدم والازدهار.
ومن السهل اليوم تفنيد هذه المزاعم؛ فالهند قبل الاستعمار كانت تمثل ربع الاقتصاد العالمي، إلا أنها تراجعت خلال 150 عاماً من الاحتلال إلى أقل من 2%، وشتان بين الهند التي كانت قبلة التجار وبين الهند اليوم التي هي بؤرة للتخلف والفقر، والسبب كله نتاج الاستعمار وثقافته التي تجعل من الأمة المحتلة فئة دونية ترضى بالقليل مقابل أن تبقى تحت راية المستعمر الأوروبي.
وإذا افترضنا أن الهند، وغيرها من دول الكومنولث، قررت استعادة مكانتها الطبيعية في الاقتصاد العالمي، فإن عليها الرهان على الحرب الثقافية قبل غيرها من عناصر القوة، وهذا يبدأ بالتخلص من أسلحة الحرب الناعمة أولاً ومنها «عقدة الأجنبي» أو «عقدة الخواجة»، وأن تستوعب عناصر القوة التي بحوزتها، ومنها موروثها الشعبي ومقوماتها الاقتصادية الضخمة، لكن للأسف فإن الهند لا تزال تشكو من العقدة الدونية ذاتها، ولذلك تجد الحكومات الهندية المتعاقبة تسارع إلى كسب الرضا الإنجليزي على حساب كرامتها الوطنية واقتصادها القومي.
فمثلاً، وخلال زيارة رئيس الوزراء البريطاني «كير ستارمر» للهند في أكتوبر 2025، تعهدت الشركات الهندية بضخ استثمارات جديدة بقيمة 1.7 مليار دولار. كما ساهمت اتفاقية التجارة الحرة في تأمين استثمارات إضافية بقيمة 1.3 مليار جنيه إسترليني من 64 شركة هندية، مما خلق حوالي 6,900 فرصة عمل جديدة للإنجليز، تضاف إلى نحو 300 ألف وظيفة أخرى توفرها الشركات الهندية قبل عام 2025، وجميع هذه الوظائف بميزات كبيرة جداً تكفي الواحدة منها لتشغيل العشرات من العمالة الهندية المنتشرة حول العالم كأرخص قوة بشرية على الإطلاق.
كما أن تعهدات الحكومة الهندية بزيادة حجم الاستثمار مستقبلاً في الاقتصاد الإنجليزي هو الترجمة الفعلية لثقافة الاستعمار الناعم؛ وهي العقدة التي تشكو منها أغلب الدول العربية، خاصة دول الخليج، حيث تذهب أغلب الثروات إلى البنوك الغربية؛ ومنها الإنجليزية، إضافة إلى حجم الاستثمار في القطاعات العامة والرياضية من أجل حلحلة الأزمات ومنع انهيار الاقتصاد البريطاني الذي يشكو من تداعيات كارثية بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي.
ومن أهم مصادر جمع الأموال الإنجليزية عبر الأدوات الناعمة هي الرهان على مراكز اللغات والإدارة، حيث تستقبل سنوياً أكثر من نصف مليون طالب من البلدان الشرقية، ينفقون مليارات على تلك المراكز من أجل العودة بلغة إنجليزية وشهادة في الإدارة من جامعة بريطانية، وهو الأمر الذي يمكن تحقيقه من خلال الجامعات المحلية في تلك البلدان لولا عقدة الخواجة والانبهار بالغرب.
والأمر نفسه قائم حتى على كرة القدم الإنجليزية؛ حيث تُعد الاستثمارات العربية في الدوري الإنجليزي الممتاز ركيزة أساسية في المشهد المالي والرياضي للدوري حالياً. وتشير التقديرات المالية الحديثة لعام 2026 إلى أن قيمة الأندية المملوكة كلياً أو جزئياً لمستثمرين عرب تناهز 8 مليارات دولار أمريكي.
وقد نجح المستثمرون العرب في نقل الأندية التي استحوذوا عليها إلى مستويات غير مسبوقة من الاستقرار المالي والمنافسة الرياضية؛ فبعد أن كانت بعض هذه الأندية تعاني من تعثرات إدارية أو ديون متراكمة، أصبحت بفضل ضخ رؤوس الأموال قوى كروية عالمية، وهو ما انعكس إيجاباً على الاقتصادات المحلية للمدن التي تنتمي إليها تلك الأندية عبر خلق فرص عمل، وتنشيط قطاعات السياحة والخدمات.
وكان بإمكان تلك الأموال الضخمة أن تنقل الرياضة المحلية للدول العربية إلى مستوى عالٍ من العالمية، وقد رأينا الأداء الضعيف للفرق العربية في كأس العالم، خاصة الخليجية منها؛ ولكن المستثمر السعودي أو القطري يفضل أن يرى الفريق الإنجليزي يفوز ولو على حساب منتخباتهم الوطنية، أو حتى غيرها من الفرق العربية، حيث تُعتبر البيئة المصرية والشمال أفريقية بيئة مناسبة للاستثمار الرياضي، وستدر عائدات ضخمة ستفوق حجم نظيراتها في الأسواق الرياضية الأوروبية.
وهنا نكتشف أن الاستعمار اتخذ أشكالاً أكثر دهاءً وتغلغلاً. فقد استبدلت القوة العسكرية بقوة «الاستثمار» و»المعايير الثقافية» التي تُدار من مراكز القرار في الغرب، لتُبقي الدول النامية في حلقة مفرغة من التبعية. وخروج هذه الدول من عباءة الهيمنة يتطلب أكثر من مجرد قرارات اقتصادية؛ إنه يستلزم «تحرراً ذهنياً» يحرر القرار الوطني من «عقدة الخواجة»، ويُعيد توجيه الموارد الهائلة نحو بناء قواعد اقتصادية ذاتية، تضع مصلحة الشعوب وأولويات التنمية الوطنية فوق طموحات الشهرة في أسواق العالم الخارجي.

أترك تعليقاً

التعليقات