حكومة «فيشي» في الجنوب
- محمد الجوهري الأربعاء , 18 فـبـرايـر , 2026 الساعة 12:39:25 AM
- 0 تعليقات

محمد الجوهري / لا ميديا -
في أعقاب الغزو الألماني لفرنسا عام 1940، برزت حكومة "فيشي" كواجهة سياسية موالية للرايخ الثالث، وسُميت بهذا الاسم لأنها اتخذت من مدينة "فيشي" مقراً لها، وترأسها المارشال فيليب بيتان، وقد تبنت سياسات تعاونية مباشرة مع الاحتلال النازي.
ورغم محاولات تلك الحكومة آنذاك تصوير نفسها كحامٍ لما تبقى من السيادة، إلا أن القراءة التاريخية المعاصرة في فرنسا لا تزال تصنف تلك المرحلة بوصفها "نقطة سوداء" في مسار الدولة؛ باعتبارها كياناً وظيفياً أُسس لتسهيل مهام المحتل وتنفيذ إرادته تحت غطاء محلي، ما جعلها في الوعي الجمعي نموذجاً للتبعية التي يرفض المجتمع الفرنسي استحضارها إلا كدرسٍ قاسٍ حول مخاطر فقدان الاستقلال السياسي.
وهذا النموذج من الحكومات الموالية للاحتلال ينطبق كلياً على سلطة العليمي حالياً، وسلطة سلفه عبد ربه منصور هادي؛ فهي تمثل النظام السعودي ومصالحه، التي تتعارض مع السيادة اليمنية، وبالقدر ذاته الذي كانت فيه حكومة "فيشي" تعمل كواجهة محلية لتأمين مصالح الاحتلال النازي، فإن هذه التشكيلات السياسية تُعد تعبيراً عن إرادة النظام السعودي وتوجهاته الإقليمية.
وبناءً على ذلك، فإن التاريخ الذي يصف تجربة "فيشي" بأنها كانت مرحلة انكسار وطني، يضع التشكيلات الحالية في الميزان السياسي ذاته؛ إذ تفتقر إلى استقلال القرار، وتتحرك في إطار يحقق مصالح القوى الخارجية التي أنشأتها ورعتها، ما يجعلها في الوعي الجمعي اليمني مجرد امتداد لمشاريع إقليمية لا تعبر عن تطلعات الشعب نحو السيادة والاستقلال.
ولو لم تكن السعودية قوة احتلال لرأينا حكومة العليمي تتحرك لحماية السيادة اليمنية ولو على حساب المصالح السعودية؛ ولكن ما نراه هو ارتهان مطلق لإرادة الرياض، وليس للعليمي أو أي وزير في حكومته أن ينطق بكلمة واحدة خارج ما تمليه الحكومة السعودية؛ ولذلك رأيناها تصمت في مواجهة "الانتقالي" وهو يتحرك لإقصائها من كامل المحافظات الجنوبية، بينما تتحرك فقط عندما يصبح الخطر على حدود "الشقيقة الكبرى".
وأنا -كمواطن يمني- ليس لديّ أي اعتراض على التواجد السعودي في اليمن؛ شريطة أن تعامل السعودية اليمنيين بالمثل؛ ولكننا نعلم جميعاً حال العمالة اليمنية على أرضها، ومن الظلم أن نرحّب بالسعودي على أرضنا فيما حكومته تتعامل مع اليمني وكأنه أداة لا قيمة لكرامته ولا لإنسانيته، ولولا أنه أرخص أشكال العمالة لما قبلت حتى برؤيته. وهذا يتعارض مع مبدأ "التعامل بالمثل"، الذي تنتهجه كل الدول المستقلة في العالم، ولا يسقط هذا المبدأ إلا بسقوط السيادة على يد غزوٍ أجنبي.
ولا تقف شواهد هذا الارتهان عند حدود المواقف السياسية فحسب، بل تتعداها إلى واقع المواطن اليمني، الذي بات يلمس آثار سقوط السيادة في تفاصيل حياته اليومية؛ فبينما يتمتع القادة العسكريون والسياسيون التابعون للسعودية بامتيازات خاصة، يُجبر المغترب اليمني في المملكة على مواجهة حزمة من الإجراءات التعسفية، بدءاً من رسوم "المقابل المالي" المنهكة، وصولاً إلى حملات الترحيل القسري التي لم تستثنِ حتى الكوادر الأكاديمية والطبية في المحافظات الجنوبية من المملكة، دون أن تجرؤ سلطة العليمي على إصدار بيان استنكار واحد. أضف إلى ذلك، ما يحدث في المنافذ البرية مثل منفذ الوديعة، حيث يُذل المسافر اليمني ويُحتجز ساعات وأياماً بمبررات واهية، بينما تمر الشاحنات والمعدات السعودية العابرة للحدود بكل سلاسة. إن هذه المفارقة الصارخة بين "الترحاب" الذي تجده القوات السعودية في الموانئ والمطارات اليمنية، وبين "التضييق" الذي يواجهه اليمني في بلده وعلى حدود جاره، هو الدليل الدامغ على أن العلاقة هي علاقة إلحاق وتابعية أهدرت فيها السلطة العميلة كرامة الإنسان مقابل بقائها في كراسي الحكم.
ولولا التدخل السعودي في شؤون اليمن، ما اضطر اليمني أن يغادر وطنه للعمل في الخارج، فالسعودية تضع اليمن تحت الوصاية منذ العام 1967، وهي الوصاية التي كلفت اليمن السيادة وكل أشكال الاستقرار الاقتصادي التي هي حق لليمني على أرضه.










المصدر محمد الجوهري
زيارة جميع مقالات: محمد الجوهري