عثمان الحكيمي

عثمان الحكيمي / لا ميديا -
هل عاد الملف اليمني إلى نقطة الصفر؟ هذا السؤال يفرض نفسه بقوة بعد سلسلة من التطورات المتسارعة التي أعادت الصراع إلى واجهة المشهد الإقليمي بلهيب غير مسبوق. بدأت فصول التصعيد برحلة جوية كسرت عزلة دامت عقداً من الزمن؛ حيث انطلقت طائرة من طهران لتعيد العالقين والمرضى إلى اليمن، ثم نقلت وفداً يمنياً شارك في مراسم تشييع الإمام الخامنئي في طهران. وبعد انتهاء مراسم التشييع، وأثناء عودة الوفد المشارك إلى اليمن، تحول المشهد من رحلة لكسر الحصار إلى ساحة اشتباك جوي؛ إذ باغتت مقاتلات سعودية الطائرة في محاولة لمنعها من الهبوط، لترد الدفاعات الجوية اليمنية بصواريخها، قبل أن يختم طيران التحالف المشهد بقصف عنيف لمدرج مطار صنعاء، مما أجبر الطائرة على تغيير مسارها للهبوط في مطار الحديدة قبل إعادتها لاحقاً إلى طهران.
هذا الحادث فجّر حرباً من التصريحات؛ فبينما أعلنت صنعاء نجاح كسر الحصار، تذرعت الرياض وما تسمى «الحكومة الشرعية» بمفهوم السيادة في تصريحات لرشاد العليمي، وهو ما رفضته صنعاء جملة وتفصيلاً. ومع انتقال المواجهة من الأجواء إلى استهداف مطار أبها، مروراً بالحشد الشعبي المليوني في ميدان السبعين، وصولاً إلى البيان العسكري الأخير الصادر عن القوات المسلحة في صنعاء بإعلان فرض حصار بحري على الملاحة السعودية، ثم الردود الرسمية المتلاحقة من وزارة الخارجية السعودية وقيادة ما يسمى «التحالف»، لم يعد المشهد يوحي بمجرد تصعيد عابر، بل بانبثاق معادلة ردع جديدة تتجاوز حدود الاشتباك التقليدي، عنوانها: المطارات بالمطارات، والموانئ بالموانئ، والحصار بالحصار، والتصعيد بالتصعيد.. فهل دخل الصراع بالفعل مرحلة المواجهة الشاملة؟

البحر.. الساحة القادمة
يبدو أن الخطاب اليمني لم يكن مجرد رد فعل، بل كان يرسم قواعد اشتباك جديدة بلغة لا تحتمل التأويل: مطار بمطار، وميناء بميناء، وحصار بحصار. فهل يستطيع هذا الخطاب كتابة قواعد اللعبة من موقع الندية المفترضة؟ إن اتهام الرياض بعرقلة مسار التهدئة والتورط استخباراتياً، هل يُعد إعلاناً رسمياً بأن خفض التصعيد صار نصاً بلا روح؟ وهل هذه المعادلة هي سقف تفاوضي جديد يُراد به انتزاع اعتراف بواقع الأمر، أم أنها إيذان رسمي بأن صنعاء طوت صفحة الصبر الاستراتيجي، ودخلت مرحلة الفعل المتبادل بلا كوابح؟
من جهة أخرى، إن محاولة قراءة المشهد اليمني بمعزل عن التجاذبات الإقليمية هي قراءة منقوصة؛ فالمنطقة برمتها تقف على فوهة بركان، والملفات مترابطة ومتداخلة بشكل وثيق، والتوقيت وحده يثير الكثير من التساؤلات. فبينما تتواصل المواجهة المرتبطة بإيران، ويزداد الحضور العسكري الأمريكي في المنطقة، يعود الملف اليمني إلى الواجهة بوصفه أحد أكثر الملفات قابلية للاشتعال. وهذا يعني أن أي مواجهة بين صنعاء والرياض لن تبقى محصورة داخل الحدود اليمنية، بل ستتداخل مع معادلات البحر الأحمر، وأمن الخليج، وحركة الملاحة الدولية، وربما مع حسابات الردع المتبادلة بين واشنطن وطهران. ومن هنا، إذا كانت صنعاء قد أعلنت الانتقال إلى معادلة الحصار بالحصار، فإن السؤال لم يعد يقتصر على كيفية رد السعودية، بل يمتد إلى ما إذا كانت الولايات المتحدة وشركاؤها سيتعاملون مع هذا التطور باعتباره مواجهة ثنائية، أم تهديداً مباشراً لمصالح تلك القوى. عند هذه النقطة تحديداً، ينتقل البحر من كونه ممراً للتجارة إلى ساحة اختبار لإرادات القوى الإقليمية والدولية.

مقامرة الرد.. هل تدرك الرياض حجم الثمن؟
إن تمسكت الرياض بخيار التحدي ولم تراجع حساباتها أمام معادلة الحصار البحري، فإنها قد تجد نفسها أمام كلفة تتجاوز بكثير حدود الاحتكاك العسكري التقليدي؛ فالتطور النوعي الذي راكمته القوات اليمنية في مجال المسيّرات والصواريخ بعيدة المدى يرفع مستوى المخاطر على العمق السعودي، ويجعل أي مواجهة مقبلة أكثر تعقيدًا من سابقاتها، سواء على مستوى الدفاعات الجوية أو حماية المنشآت الحيوية والممرات البحرية. وفي البعد الاقتصادي، لا يقتصر الأثر على ارتفاع أقساط التأمين وتعطّل الشحن في البحر الأحمر، بل يمتد إلى إرباك خطوط الإمداد، وإضعاف الثقة بالبيئة الاستثمارية، وتهديد المسارات اللوجستية المرتبطة بمشاريع «رؤية 2030»، فضلًا عن احتمال تعرض الموانئ والمنشآت النفطية والاقتصادية لضغط مباشر أو غير مباشر. أما في البعد العسكري، فإن أي انزلاق نحو التصعيد قد يفتح الباب أمام حرب استنزاف طويلة تُنهك الكلفة المالية وتستنزف الجاهزية الدفاعية، وتفرض على الرياض واقعًا جديدًا من الردع المتبادل لا تستطيع تجاهله.

الغطاء الدولي المتصدع
في الوقت الذي تتسارع فيه وتيرة التصعيد الميداني وتتوسع دوائر التهديد، يبدو المشهد الدبلوماسي وكأنه يتحرك في فضاء موازٍ لا يمت للواقع بصلة. لا يزال المبعوث الأممي، هانس غروندبرغ، يمارس دور جامع التأكيدات، محاولاً استجداء وعود متجددة من الأطراف المتصارعة بالتمسك بخفض التصعيد؛ وهو مسعى يقترب من السريالية أكثر مما يقترب من الدبلوماسية التقليدية. إن هذا الغطاء الدولي الذي تحاول الأمم المتحدة إبقاءه فوق رأس الصراع بات يعاني من تصدعات بنيوية تجعل من تدخلاته مجرد إدارة للأزمة بدلاً من حلها. فبينما تتحدث القنوات الرسمية عن آفاق التهدئة والحاجة للحوار، ترسم التهديدات الملاحية في باب المندب والتحركات الاستراتيجية في البحر الأحمر واقعاً مغايراً تماماً؛ واقعاً يتجاوز قدرة المنظومة الدولية الحالية على الاحتواء. لقد تحولت الدبلوماسية الأممية في هذا السياق إلى ما يشبه المراقب الصامت لعملية إعادة رسم قواعد الاشتباك؛ حيث تُقدم الوعود السياسية كمسكنات مؤقتة، بينما تُبنى على الأرض حقائق جيوسياسية جديدة لا تعترف بالخطابات المنمقة. هذا التناقض الصارخ بين تأكيدات المبعوث وفعل الميدان، يكشف عن عجز دولي متزايد عن فرض إرادة السلام في منطقة لم تعد تعترف إلا بلغة القوة والمصالح الاستراتيجية المباشرة، مما يجعل من الغطاء الدولي مجرد ستار رقيق يتداعى أمام أول ريح حقيقية من المواجهة المفتوحة.

السيناريوهات المحتملة
تتأرجح التوقعات المستقبلية لما بعد إعلان الحصار بين مسارين متناقضين يفرضان واقعاً معقداً؛ فبينما يبرز مسار المناورة المحدودة كاحتمال ضئيل يعتمد على استخدام سلاح التهديد كأداة ضغط سياسي واقتصادي لإرباك سلاسل الإمداد ودفع القوى الدولية نحو تسويات دبلوماسية، إلا أن هذا المسار يبدو واهياً أمام زخم الأحداث الراهن. وفي المقابل، يبرز السيناريو الأكثر واقعية وخطورة، وهو سيناريو الانفجار الإقليمي الشامل؛ حيث تتجاوز التهديدات الحالية حدود الجغرافيا الضيقة لتتحول إلى واقع عملياتي دموي يجر المنطقة برمتها إلى جولة من الحرب الشاملة. إننا أمام مؤشرات واضحة تؤكد أن المنطقة مقبلة على مرحلة من التصعيد غير المسبوق، حيث لن تقتصر المواجهات على استهداف المرافق الحيوية فحسب، بل ستتحول المنطقة بأكملها إلى جبهات حرب مفتوحة تخرج عن أي سيطرة دولية. هذا التصعيد المرتقب يكتسب خطورته من التداخل بين الملفات المتفجرة، وسعي القوى الصهيونية لتوسيع رقعة الصراع، بالتوازي مع التغطرس الأمريكي الذي يرفض لغة التهدئة، مما يجعل المنطقة لا تقف فقط على حافة الهاوية، بل تهرول نحو مواجهة إقليمية كبرى قد تطيح بكل قواعد الاستقرار السابقة وتغير وجه «الشرق الأوسط» إلى الأبد.

أترك تعليقاً

التعليقات