عثمان الحكيمي

عثمان الحكيمي / لا ميديا -
في لحظة دراماتيكية متوترة، وجدت الحكومة اللبنانية نفسها تفتح ملفّاً يُعتبر من أعقد القضايا: حصر السلاح، وبشكل خاص نزع سلاح حزب الله، عبر جدول زمني معلَن لأول مرة في تاريخ البلاد. هذا القرار قلب المشهد السياسي رأساً على عقب، وأشعل موجة واسعة من التوترات والانقسامات في الشارع اللبناني، حيث يُنظر إلى سلاح الحزب على أنه درع حماية في وجه العدوان الصهيوني من جهة، وعقبة أمام إقامة الدولة من جهة أخرى. وعقد رئيس الحكومة، نواف سلام، جلسة مطوّلة في مجلس الوزراء شهدت نقاشات حادة أدت إلى انسحاب وزراء الثنائي الشيعي تعبيراً عن اعتراضهم. وهنا يمكن القول بأن القرار الذي أعلنه رئيس الحكومة بدا محاطاً بمعادلات أكثر من أن تُحصى: ضغوط أمريكية مباشرة، اشتباك إقليمي محتدم، وانقسام داخلي يُدار بحذر.
تكليف الجيش اللبناني بوضع خطة لتسليم السلاح قبل نهاية العام، لا يمكن قراءته خارج سياق الضغط الغربي على لبنان، ولا بمعزل عن خطة الكيان الصهيوني في الجبهة الشمالية. من جهته، كان رد حزب الله، كما توقعت، قاطعاً: «لا نقاش حول سلاحنا ما لم تلتزم إسرائيل أولاً». ففي رد مباشر على قرار الحكومة، خرج الشيخ نعيم قاسم، أمين عام حزب الله، بخطاب قوي اللهجة، أكد فيه رفض الحزب أي اتفاق جديد لا يستند إلى ما تم التوافق عليه سابقاً بين الدولة اللبنانية والعدو الصهيوني. اعتبر أن ما يُطرح اليوم ليس اتفاقاً، بل «إملاءات أمريكية - صهيونية» هدفها الأساسي تفكيك قدرة المقاومة، وتجريد لبنان من عناصر القوة والردع التي يملكها. ورفض صراحة أي جدول زمني، معتبراً أن السيادة لا يمكن أن تُجزأ، ولا يُمكن أن تُنتزع بالقوة أو الضغوط.
حمل خطاب قاسم رسائل داخلية وخارجية، أوضح فيها أن نزع سلاح حزب الله في الظروف الراهنة يعني كشف لبنان أمام العدوان الصهيوني المستمر. وأكد أن موضوع سلاح المقاومة لا بد أن يناقش ضمن بيئة تضمن حقوق لبنان، ووقف الانتهاكات الصهيونية، وانسحاب الاحتلال من كل الأراضي اللبنانية المتبقية. كانت الرسالة واضحة: المقاومة لن تُجرد من سلاحها ما لم تتغير المعادلات. هذه المعادلة ستصطدم حتماً بواقع لبناني هش، إذ تحاول الدولة بسط سيادتها دون أن تملك فعلاً القدرة على فرض التنفيذ. ما حدث ليس مجرد قرار؛ إنه بداية عدٍّ تنازلي؛ لكنه قد يتحوّل إلى مواجهة، إذا لم يُضبط التوازن بين السيادة والمقاومة، بين الداخل والخارج، وبين القرار والواقع.

الورقة الأمريكية: محاولة فجّة لتفكيك السيادة اللبنانية وإعادة تشكيل النفوذ الإقليمي
الورقة التي قدّمها المبعوث الأمريكي، توم براك، بشأن نزع سلاح حزب الله، لا يمكن النظر إليها كمبادرة دبلوماسية محايدة، بل تُعد نموذجاً صارخاً لمحاولة فرض توازنات إقليمية جديدة عبر ضغوط سياسية ممنهجة تتجاهل بشكل فادح تعقيدات الواقع اللبناني وسيادته الوطنية. إنها مسودة إملاء سياسي تسعى لإعادة هندسة المشهد اللبناني بما يتوافق مع مصالح الكيان الصهيوني ويخدم الرؤية الأمريكية للأمن الإقليمي المزعوم، على حساب حق لبنان في تقرير مصيره وحماية أرضه وشعبه في ظل وجود كيان صهيوني لقيط لا يعرف إلا لغة القوة.
تختزل هذه الورقة المعقّدة والمتشابكة قضية المقاومة اللبنانية في بند أمني منفصل عن السياق التاريخي والسياسي، متجاهلة أن الاحتلال الصهيوني ما يزال قائماً في الجنوب، وأن الانتهاكات الجوية والبرية مستمرة. إنها تتعامل مع نزع سلاح المقاومة كمقدمة لأي دعم دولي أو إعادة إعمار، بينما تكتفي بتقديم وعود غير مضمونة في مواجهة سجل طويل من التخاذل الدولي تجاه حقوق لبنان. هذه المعادلة، التي تربط السيادة بالدولار، ليست سوى ابتزاز سياسي مقنّع. الأسئلة المحورية التي تُطرح هنا ليست وجودية: كيف يُطلب من لبنان التخلي عن عنصر أساسي من عناصر ردعه الوطني بينما العدو لا يزال يحتل أرضه ويقصف سماءه؟! كيف يُروّج لتسوية سياسية تحت مظلة أمريكية بينما الطرف الآخر (أي الكيان الصهيوني) لم يلتزم يوماً بتنفيذ قرارات مجلس الأمن، ولا يزال يتعامل مع لبنان كمساحة مباحة لانتهاكاته العسكرية؟! بل أكثر من ذلك، كيف يُفترض بالمبعوث أن يكون نزيهاً وهو يُلوّح بأن «فرصة خريطة الطريق لن تتكرر»، في لهجة تعالٍ؟!
إن هذه الورقة لا تعكس أي نية صادقة لإرساء السلام أو دعم الدولة اللبنانية، بل تسعى إلى تحويل الدولة إلى أداة طيّعة ضمن معادلة إقليمية مفروضة، حيث تصبح السيادة مجرد ديكور قانوني بلا مضمون فعلي. فهل يمكن اعتبار أي خطة تُرسم خارج الحدود وتُفرض بقوة النفوذ والدولار مشروعاً لبناء الاستقرار؟! الورقة المطروحة تمثل في جوهرها إعلاناً غير مباشر بإعادة هيكلة لبنان سياسياً وأمنياً، وفق مصالح أطراف دولية وإقليمية لا تمتّ بصلة إلى مصلحة اللبنانيين الفعلية. إنها خطوة لا تقود إلى استقرار، بل إلى انفجار سياسي مؤجّل، يهدد بتفكيك المؤسسات، وتكريس انقسام داخلي حاد. يبقى السؤال الجوهري، الذي لا بدّ أن يُطرح على كل مسؤول لبناني: هل السيادة مشروع تفاوض، أم مبدأ لا يُمسّ؟ وهل يقبل لبنان أن يكون طرفاً متلقياً للإملاء، أم أنه لا يزال يمتلك القدرة على تثبيت خياراته وفق إرادته الوطنية الحرة؟

نزع السلاح: رهان استراتيجي للكيان الصهيوني
إنّ الطرح المتكرر لقضية «حصر السلاح بيد الدولة» في لبنان، وتحديداً استهداف سلاح حزب الله، لا يمكن عزله عن خارطة الصراع الإقليمي والدولي، ولا عن المصالح الاستراتيجية للأطراف المتدخلة. إذ يُعدّ هذا الملفّ من أبرز الرهانات الاستراتيجية التي يوليها الكيان الصهيوني أهمية قصوى. ففي جوهره، يصبّ هذا الطرح أولاً وقبل كل شيء في مصلحة الكيان الصهيوني، إذ شكل وجود هذا السلاح تهديداً مباشراً على أمنه، وردعاً فعلياً لأي تحرك عسكري في العمق اللبناني.
خلال السنوات الماضية، سعت «تل أبيب» طويلاً، عبر ضغوط أمريكية ودولية متواصلة، إلى تحقيق هذا الهدف؛ لكنها قوبلت دائماً بالفشل، بسبب توازنات الداخل اللبناني وتعقيدات البيئة الإقليمية.
لا شكّ أن القدرات العسكرية والصاروخية لحزب الله لا تزال تمتلك فاعليتها، رغم ما تعرّض له من ضربات موجعة وقاسية، لاسيما بعد فتحه جبهة إسناد لدعم غزة. يعتقد الكيان الصهيوني أن نزع سلاح الحزب سيمنحه مساحة أكبر للتحرك عسكرياً داخل لبنان دون خشية من ردّ فعل رادع، ويمكّنه من تنفيذ عمليات برية موسّعة كانت تشكّل سابقاً خطاً أحمر. من هذا المنطلق، تُعدّ أي خطوة نحو نزع السلاح «هدية استراتيجية» بالنسبة للعدو، وتفسّر مساعيه المستمرة لدفع المجتمع الدولي نحو مزيد من الضغط لتنفيذ هذا المخطط. فعلياً، إذا تم تقليص قدرات المقاومة أو حصر السلاح بيد الدولة، ستُصبح الحدود اللبنانية مكشوفة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الجيش اللبناني يفتقر لأبسط الإمكانات الدفاعية.

استراتيجية متعددة الأوجه
مسألة نزع سلاح المقاومة في لبنان لا يمكن اختزالها في شعارات السيادة أو حصرية السلاح كما يُروّج لها في الخطاب السياسي والإعلامي؛ فهي جزء من استراتيجية متكاملة تستهدف البنية الكاملة للمقاومة، لا سلاحها فحسب، وهي بنية شكّلت -ولا تزال- حجر الأساس في المعادلة الردعية التي كبحت التوسع «الإسرائيلي» وفرضت توازناً دقيقاً على حدود الجنوب.
الهدف الحقيقي من هذا المشروع يتجاوز الداخل اللبناني، ويتصل مباشرة برؤية استخباراتية وأمنية «إسرائيلية» تمارس ضغوطاً متعددة الأبعاد: سياسية، اقتصادية، وإعلامية، بالتوازي مع التحريض الدولي المستمر.
في السياق نفسه، يتضح أن الولايات المتحدة لم تكن يوماً بعيدة عن هذا المشروع، بل كانت فاعلاً أساسياً فيه، من خلال اعتماد سياسة ضغط ممنهجة على الدولة اللبنانية تحت لافتات «دعم المؤسسات» و»حصرية قرار الحرب والسلم». الواقع الميداني يؤكد أن الهدف الفعلي هو تجريد لبنان من عنصر قوته بما يخدم مصالح «تل أبيب» أولاً، ويفتح المجال أمام تحالفات جديدة تقاطع مع منطق المواجهة وتتماهى مع منطق التطبيع.
على المستوى الإقليمي، استُغلت هذه القضية كفرصة لتصفية حسابات سياسية مع حزب الله من قبل دول إقليمية ربطت دعمها المالي للبنان بشروط سياسية واضحة، أبرزها نزع السلاح واحتواء المقاومة، بما يخدم نموذجاً اقتصادياً وسياسياً بعيداً عن خط المواجهة، وأكثر تقارباً مع السياسات الغربية.
ما يقلق في المشهد اللبناني ليس فقط هذا التحالف غير المعلن الذي يروّج لنزع السلاح كمدخل للاستقرار، بل أيضاً غياب أي بديل سيادي فعلي قادر على حماية الحدود وردع الاعتداءات.
أثبتت الدولة اللبنانية على مدى عقود عجزها البنيوي عن مواجهة الخروقات الصهيونية أو فرض الأمن داخلياً. لذلك، فإن تفكيك المقاومة دون وجود بديل مؤسسي حقيقي ليس مجرد مغامرة، بل مجازفة وجودية قد تعيد لبنان إلى سيناريوهات الفوضى والانهيار.
قضية نزع السلاح ترتبط بمشروع خارجي واضح المعالم يقوده الغرب وتنفذه بعض العواصم الإقليمية، يخدم مصالح بعيدة كل البعد عن أولويات السيادة. ومن هنا، فإن الحديث عن نزع السلاح بمعزل عن البدائل والضمانات لا يُعد طرحاً مكتملاً، بل هو وصفة للفوضى وتسليم مجاني لمقدّرات لبنان الأمنية لصالح أجندات تتقاطع عند هدف واحد: إسقاط المقاومة من الداخل، بعدما عجزوا عن إسقاطها من الخارج. الهدف من نزع سلاح المقاومة لا يقتصر على تجريدها من السلاح، بل يشمل تفكيك بنيتها الأمنية والعسكرية لتمهيد الطريق أمام التوسع الصهيوني في الجنوب اللبناني. تحقيق هذا السيناريو يزيد وتيرة الاعتداءات الصهيونية، ويهدد الأمن الداخلي.

سيناريوهات مفتوحة
تظل قضية سلاح حزب الله محور الصراع السياسي في لبنان، وسط تمسك الحزب برفض تسليمه وتصعيد سياسي متوقع يضع الحكومة في مواجهة ضغوط داخلية وخارجية معقدة.
السيناريو الأبرز والأكثر ترجيحاً هو أن يظل حزب الله ثابتاً في رفضه القاطع لتسليم سلاحه، وهو موقف يضع الحكومة اللبنانية في مأزق سياسي حاد ومحرج، خاصة في ظل استمرار الاحتلال الصهيوني للأراضي اللبنانية، واستمرار العدوان والاغتيالات والانتهاكات التي يمارسها الكيان الصهيوني بلا هوادة. في هذه الظروف، يبقى سلاح حزب الله نقطة قوة لا يمكن تجاهلها، وملفاً مفتوحاً على تصعيد محتمل يعيد تشكيل المشهد اللبناني بالكامل.
أما على الصعيد السياسي فإن سحب الثقة من الحكومة، مع تصعيد سياسي عبر استقالة الوزراء الأربعة المحسوبين على الحزب وحليفه حركة أمل، قد يؤدي إلى تعطيل عمل البرلمان وإرباك المؤسسة الدستورية. وتشير المعطيات إلى أن الحزب لن يلجأ إلى تفجير أمني داخلي، بل سيكتفي بسحب الثقة من الحكومة.
في مواجهة الاعتداءات الصهيونية، قد يفتح الحزب جبهة مواجهة مع الكيان عبر عمليات عسكرية أو ردود ميدانية تستهدف إثبات دوره كحامٍ للمقاومة. وفي هذا الخيار يجب على الحزب أن يتحمل المسؤولية الجسيمة وينسى قواعد الاشتباك والحسابات الضيقة التي جعلته سابقاً يتلقى ضربات موجعة. هنا لا بد من الإشارة إلى أن هذا الخيار بكل القوة التي يمنحها للحزب في مواجهته للكيان الصهيوني تبقى هذه الخطوة محفوفة بالمخاطر، لاسيما في ظل وجود كيانات ومجموعات معارضة للحزب داخل سورية قد تُستغل للضغط عليه في الداخل اللبناني. لكن مما لا شك فيه أن الرد على الاعتداءات الصهيونية والدخول في مواجهة عسكرية ستعمل على إعادة تثبيت شرعية السلاح بالقوة. كما يُحتمل تصعيد سياسي وإعلامي، واللجوء إلى الشارع عبر تحركات شعبية واحتجاجات واسعة تستهدف الضغط المباشر على الحكومة لإرغامها على تعديل موقفها من سلاح الحزب، وهو خيار لوّح به الحزب بالفعل في الاجتماعات الأخيرة.

أترك تعليقاً

التعليقات