عثمان الحكيمي

عثمان الحكيمي / لا ميديا -
«الشرق الأوسط» اليوم يغلي، من سواحل المتوسط إلى مضيق باب المندب، في مشهد تتشابك فيه الأزمات وتتقاطع فيه المصالح الإقليمية والدولية. كل جبهة تُشعل الأخرى، وكل تهديد يولّد ردّاً مضاداً، حتى أصبح الوضع أشبه ببرميل بارود ينتظر شرارة واحدة لإشعال المنطقة بأكملها. تمتد الملفات المتفجرة من لبنان إلى غزة، ومن التنافس المحموم على النفوذ في سورية إلى الموقف الصلب لليمن في جبهة إسناد غزة، مروراً بالمواجهة بين إيران والكيان الصهيوني.
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة الآن ليس ما إذا كانت الأمور ستنفجر، بل: كيف؟ ومتى؟ وهل ستكون هناك مواجهات متقطعة كبديل لحرب شاملة؟ أم أنها مقدمة حتمية لها؟ الحقيقة المؤكدة أن القادم لن يمر مرور الكرام، وأن «الشرق الأوسط» يدخل فصلاً جديداً من تاريخه المضطرب. الغموض يخيّم على الأفق، فكل خطوة في هذه المعادلة الإقليمية قد تغيّر مجرى الأحداث، تاركة العالم كله يترقب اللحظة التي سيشتعل فيها البركان.

إعادة احتلال قطاع غزة بالكامل
يُعد موضوع إعادة احتلال قطاع غزة بالكامل المفتاح السري لكل ما تشهده المنطقة من تصعيد وصراعات. العدوان المستمر على غزة وحملات القصف المتواصلة، إلى جانب الجرائم التي يرتكبها الكيان الصهيوني بحق المدنيين، أشعلت الأوضاع وأبقت المنطقة على حافة انفجار شامل. تصريحات كيان الاحتلال المتكررة حول نية السيطرة الكاملة على غزة لا تعكس فقط رغبة في تحقيق هدف عسكري عابر، بل تحمل تداعيات استراتيجية كبيرة تهدد بإعادة رسم موازين القوى في «الشرق الأوسط» بأكمله. إن استمرار هذا العدوان وتهديد كيان الاحتلال بإعادة احتلال غزة يجعل المنطقة مرشحة لتصاعد أزمات كبرى لا حدود لها.
من جانب آخر، تصدت المقاومة، التي صمدت أكثر من سنتين، بحزم لطموحات الكيان الصهيوني وحلفائه الغربيين، الذين راهنوا على كسر إرادة الشعب الفلسطيني وإخضاعه. لقد أثبتت المقاومة أنها القوة الحقيقية التي تمنع الاحتلال من تحقيق أهدافه، واضعة حداً لأي حسابات خاطئة. الخيار الأفضل لإنهاء هذه الجرائم البشعة بحق أهالي غزة هو أن تتخلى الدول الغربية، وأبرزها الولايات المتحدة، عن ازدواجية المعايير التي تنتهجها. فبدلاً من الضغط الحقيقي على كيان الاحتلال لإيقاف عدوانه، تستمر الدول الغربية في تقديم الدعم السياسي والعسكري له، ما يفاقم الكارثة الإنسانية ويُعطي الضوء الأخضر لاستمرار الجرائم. على المجتمع الدولي والأمم المتحدة أن يتحملوا مسؤولياتهم فوراً، ويوقفوا هذه المأساة قبل أن تدفع المنطقة ثمناً باهظاً لا يُحتمل.

لبنان.. صراع الوجود
في ظل التوترات المتصاعدة في المنطقة، يبرز لبنان كساحة صراع محورية، حيث تتلاقى الضغوط الدولية والإقليمية والمحلية لتشكل تهديداً وجودياً. فبالإضافة إلى الاحتلال «الإسرائيلي» المستمر لأجزاء من الجنوب اللبناني والاعتداءات المتكررة على سيادته، يواجه لبنان مؤامرة إقليمية ودولية بقيادة الولايات المتحدة، تهدف إلى نزع سلاح المقاومة وحصره. هذا المطلب لا يخدم فقط مصالح الكيان الصهيوني، بل يأتي في سياق تصفية حسابات إقليمية لتهيئة الساحة لأي مواجهة محتملة. وفي هذا المشهد المعقد، يبدو أن الخيارات أمام لبنان قليلة، فإما أن يُجرّ إلى حرب مباشرة مع الكيان الصهيوني، وإما أن يُدفع نحو اقتتال داخلي، وهو ما يحاول حزب الله تجنبه. كل ذلك يجعل من لبنان نقطة اشتعال رئيسية، ويدفع إلى الاعتقاد بأن الأوضاع مرشحة للتصعيد.

سورية.. ساحة لصراع النفوذ
تظل سورية أرضاً تتشابك فيها القوى وتتنافس على كل شبر من النفوذ. تتقاطع المصالح الإقليمية والدولية. يتصارع العديد من الأطراف لتثبيت موطئ قدم ونفوذ على الأرض. يزداد الوضع تعقيداً مع احتلال الكيان الصهيوني ثلاث مناطق جديدة داخل الأراضي السورية. من جهة أخرى، تسعى تركيا لتوسيع نفوذها عبر المجموعات المسلحة التي دعمتها، في حين تتضارب مصالح المحاور الإقليمية المختلفة على الأرض السورية. هذا التنافس يولد حالات احتقان داخلية جديدة؛ فالمشهد لا يقتصر على صراع القوى الكبرى، بل يشمل التناقضات الداخلية، من وضع الأكراد الذين يواجهون احتمالية المواجهة مع المجموعات التي سيطرت على دمشق، إلى وضع الدروز الذين يحاولون ترسيخ وجودهم. إضافة إلى ذلك، ترتكب ما تُعرف بـ»السلطة السورية الجديدة» جرائم يومية تزيد حالة الغضب الشعبي، ما يجعل المشهد أكثر هشاشة. هذا التنافس لا يقتصر على الصراع العسكري فقط، بل يشمل محاولات رسم خارطة نفوذ جديدة، ما يزيد صعوبة التوصل إلى أي استقرار، ويجعل سورية نقطة اشتعال محتملة أخرى.

اليمن.. صمود في وجه العاصفة
من تحت ركام حصار وعدوان استمر أكثر من عقد، برز اليمن ليثبت موقفه القوي والداعم لغزة، إذ تحولت سواحله إلى جبهة إسناد أساسية. فقد أعلنت القوات المسلحة اليمنية صراحةً أن استقرار البحر الأحمر وعودته إلى وضعه الطبيعي لن يتم إلا بإيقاف العدوان على غزة، مؤكدة أنها ستظل داعمة بكل قوة.
هذا الموقف لم يمر دون عواقب، فبالإضافة إلى الضربات «الإسرائيلية» التي استهدفت البنية التحتية، شهد اليمن عدواناً أمريكياً استمر أكثر من 40 يوماً. ورغم إعلان بعض الدول الإقليمية التزامها بالحياد، إلا أن تحركات خفية تُحاك ضد اليمن، بسبب موقفه الداعم للمقاومة، ما يؤكد أن كل جبهة من جبهات المنطقة مترابطة، وأن اليمن قد دفع ثمناً غالياً لقراره؛ لكنه يظل حاسماً في موقفه.

إيران والكيان الصهيوني.. تهديدات مستمرة وغموض مستقبلي
لا يمكن فهم حالة الغليان في «الشرق الأوسط» دون النظر إلى الصراع المفتوح بين إيران والكيان الصهيوني، الذي يمثل المحرك الأساسي للعديد من الملفات. دخلت إيران والكيان الصهيوني مواجهة استمرت 12 يوماً، انتهت باتفاق لوقف إطلاق النار. ومع ذلك، لم تتوقف التهديدات المتبادلة، إذ تواصل إيران تأكيد جاهزيتها لكل السيناريوهات، بينما يطلق الكيان الصهيوني تصريحات شبه يومية ضد إيران، مهدداً بإمكانية إعادة العدوان في أي لحظة، ومراقباً التحركات الإيرانية عن كثب.
الغموض يكتنف المستقبل، مع تساؤلات حول ما إذا كانت إيران ستعود إلى المفاوضات مع الولايات المتحدة، في ظل التعنت المستمر من الجانب الأمريكي، إضافة إلى العقوبات الغربية المتجددة التي يتم التلويح بها بين الحين والآخر. إيران، من جانبها، أكدت عبر قادتها السياسيين والعسكريين أن موقفها سيبقى ثابتاً، وأنها ستبقى محافظة على ثباتها الاستراتيجي ومستمرة في تعزيز قدراتها الدفاعية. هذا التوتر المستمر والغموض في مسار الأحداث يجعل أي تصعيد محتملاً.
في الختام يمكن القول: إذا لم تندلع حرب شاملة في «الشرق الأوسط»، فإن المواجهات المتفرقة ستكون حتمية لا مفر منها. غزة مستمرة في صمودها، ولبنان يواجه ضغوطاً لنزع سلاح المقاومة، وسورية تتأرجح بين الصراع الداخلي والتنافس الإقليمي، واليمن يواصل دعمه لغزة، وإيران والكيان الصهيوني يواصلان تهديد بعضهما بعضاً وسط غموض المفاوضات بعودة المفاوضات مع الجانب الأمريكي. كل هذه الجبهات مترابطة، وأي تطور في طرف يمكن أن يشعل الآخر. الواقع يشير إلى أن المنطقة مقبلة على سلسلة مواجهات لا يمكن تجنبها، وقد تعيد رسم موازين القوى الإقليمية بالكامل.

أترك تعليقاً

التعليقات