من يملك قرار اليمن حقاً؟
 

جميل المقرمي

جميل المقرمي / لا ميديا -
في لحظة فارقة من تاريخ الصراع، حيث تتقاطع خطوط السياسة بالنار وتتشابك الإرادات بين الهيمنة والمقاومة، يبرز خطاب ما تُسمى «الحكومة اليمنية المعترف بها» بوصفه نموذجاً صارخاً لانفصال الشكل عن الجوهر، والاسم عن الحقيقة، والدعوى عن الواقع. بيان يدعي السيادة ويدين ما يسميه الزج باليمن في حروب عبثية، بينما تغيب عنه أبسط مقومات السيادة التي يتحدث باسمها ويصادرها واقع الارتهان الذي ولدت فيه هذه «الحكومة» وتعيش عليه.
إن جوهر الإشكال لا يكمن في مضمون البيان فحسب، بل في مصدره وشرعيته وسياقه؛ فكيف لكيان لم ينبثق من إرادة شعبية، ولم يُبْنَ على أساس دستوري حي، ولم يمارس سلطته من داخل جغرافيا الوطن، أن يتحدث عن قرار الحرب والسلم بوصفه حقاً سيادياً حصرياً؟! وأي سيادة تلك التي تدار من خارج الحدود وتصاغ مواقفها وفق إيقاع العواصم الأجنبية، وتضبط بوصلتها السياسية على إحداثيات التمويل والدعم الخارجي؟!
إن قراءة متأنية لهذا الخطاب تكشف أنه ليس تعبيراً عن موقف وطني مستقل، بل امتداد سردي لخطاب دولي أوسع يسعى إلى إعادة تعريف الصراع في المنطقة بما يخدم موازين القوى الكبرى، ويفرغ قضايا الشعوب من مضمونها التحرري، ليعيد تقديمها في قوالب أمنية ضيقة تختزلها في تهديدات ومحاور وارتباطات متجاهلة جذور الأزمة الحقيقية المتمثلة في العدوان والتدخل الخارجي وانتهاك السيادة الوطنية.
وعند تفكيك المعطيات يتضح أن هذا الكيان الذي يصف نفسه بـ»الحكومة» نشأ في بيئة سياسية مشوهة تشكلت تحت ضغط التدخل العسكري الخارجي، واستند إلى شرعية منتهية الصلاحية، ثم أعيد إنتاجه عبر ترتيبات لا تعكس الإرادة الشعبية بقدر ما تعكس توازنات القوى الإقليمية والدولية. وبهذا المعنى فإن الأزمة ليست في موقف سياسي عابر، بل في بنية كاملة من الارتهان تجعل القرار السياسي تابعاً لا مستقلاً، ورد الفعل بديلاً عن الفعل.
أما الأبعاد الاستراتيجية لهذا الخطاب فتتجاوز الساحة اليمنية إلى الإطار الإقليمي والدولي؛ إذ يأتي في سياق محاولة محاصرة أي فعل مقاوم، وربطه تلقائياً بأجندات خارجية، في حين يتم التغاضي عن حقيقة أن المنطقة برمتها تعيش تحت ضغط هيمنة عسكرية وسياسية واقتصادية تمارسها قوى كبرى، وتدار عبر أدوات محلية تؤدي أدواراً وظيفية في خدمة تلك الهيمنة.
وفي هذا السياق يصبح اتهام الآخرين بالارتهان مفارقة لافتة حين يصدر عن جهة لا تملك قرارها ولا تتحرك إلا ضمن هامش مرسوم لها سلفاً. كما أن الحديث عن الأمن القومي يفقد معناه حين يستخدم لتبرير الاصطفاف مع مشاريع خارجية بدلاً من أن يكون أداة لحماية استقلال القرار الوطني وصون كرامة الشعب.
إن النتائج المترتبة على هذا المسار خطيرة ليس فقط على مستوى الخطاب السياسي، بل على مستوى الوعي الجمعي؛ إذ يسهم في تشويش المفاهيم وتزييف الحقائق، وإعادة إنتاج التبعية تحت عناوين مختلفة، كما يعمق الانقسام، ويضعف القدرة على بناء مشروع وطني جامع قائم على الاستقلال والسيادة والعدالة.
غير أن التاريخ في مساراته الطويلة يثبت أن الشعوب التي تمتلك إرادة الصمود وتدرك طبيعة الصراع قادرة على إعادة صياغة معادلات القوة مهما بلغت حدة الاختلال، وأن الخطابات التي تُبنى على الزيف سرعان ما تتهاوى أمام حقائق الواقع حين تنكشف الفجوة بين القول والفعل وبين الادعاء والحقيقة.
في نهاية المطاف لا يمكن لأي خطاب أن يقنع شعباً يعيش تفاصيل الواقع اليومية بأن السيادة قائمة، بينما القرار مُصادَر، ولا يمكن لأي بيان أن يعيد تعريف الحقائق حين تكون الوقائع أكثر صراحة من الكلمات.
اليمن اليوم ليس مجرد ساحة نزاع، بل اختبار حقيقي لمعنى الاستقلال في زمن الهيمنة، ومدى قدرة الشعوب على استعادة قرارها من بين أنياب المصالح الدولية. وتبقى الحقيقة واضحة، وهي أن السيادة لا تُمنَح، بل تُنتزَع، ولا تعلَن في البيانات، بل تثبتها الوقائع.

أترك تعليقاً

التعليقات