جميل المقرمي

جميل المقرمي / لا ميديا -
ما يجري اليوم في جنوب اليمن لا يمكن قراءته كأحداث معزولة ولا كتحركات مطلبية بريئة ولا حتى كخلافات داخلية عابرة بل هو جزء من مشهد أعمق تتداخل فيه أجندات دولية وإقليمية تتقاطع عند هدف واحد تقاسم الأرض والثروة وتحويل الجنوب الى ساحة نفوذ مفتوحة ومخزن موارد بلا سيادة.
الخطير في هذا المشهد أن بعض الأدوات المحلية لا تتحرك بوصفها مدافعة عن حقوق الناس، بل بوصفها وسطاء لمشاريع خارجية يجري تسويقها تحت عناوين براقة بينما تخفي في جوهرها إعادة إنتاج الاستعمار بصيغ جديدة.
في حضرموت على وجه الخصوص تبرز تحركات سياسية وإعلامية تقودها شخصيات معروفة تتحدث في العلن عن مظالم وتشتكي من أطراف إقليمية، بينما تتحرك في الخفاء خارج هذا الإطار ضمن تفاهمات خطيرة مع قوى دولية قديمة جديدة وعلى رأسها بريطانيا تحت شعار دعم حضرموت وتمكينها.
هذه التحركات لا تنطلق من مشروع سيادي حقيقي ولا من رؤية تنموية مستقلة بل من صفقات تقوم على رهن الثروة مقابل الحماية وعلى بيع الموارد مقابل الاعتراف وعلى تحويل الأرض إلى حامية أجنبية تدار من الخارج وتستنزف من الداخل.
الحديث هنا ليس عن مخاوف نظرية، بل عن مشاريع يجري تداولها في الغرف المغلقة تقوم على تقاسم الثروات النفطية والمعدنية والذهب والمعادن النادرة مقابل دعم سياسي وإعلامي وأمني لإنتاج كيان هش منزوع السيادة مرتهن القرار.
وفي المقابل لا يمكن فصل ما يجري في حضرموت عن مشاريع أخرى تتحرك في الاتجاه نفسه بواجهات مختلفة، فالسعودية تتحرك ضمن تفاهمات مع الولايات المتحدة لتنفيذ مشاريع نفوذ طويلة المدى في حضرموت والمهرة وتظهر بين الحين والآخر خرائط وخطابات تروج لضم هذه المناطق ضمن فضاء نفوذها الجغرافي والاقتصادي وكأن الأرض بلا أهل والتاريخ بلا ذاكرة.
كما لا يغيب عن المشهد تحركات أوروبية أخرى تسعى لحجز موطئ قدم في اليمن ككل تحت عناوين الطاقة والممرات البحرية والاستثمار، بينما الحقيقة أن الجميع يتسابق على الكعكة قبل أن يستعيد اليمن عافيته ووحدته.
الخطر الأكبر أن هذه المشاريع لا تعني لأبناء الجنوب سوى نتيجة واحدة، نهب الثروة، وتفكيك المجتمع، ونشر الفوضى، وتغذية الصراعات البينية، وتحويل الناس إلى وقود صراع وحراس فقر فوق أرض غنية.
فالاستعمار الجديد لا يأتي بالجيوش وحدها، بل يأتي بالفوضى، ويستثمر في الخوف، ويمول الجريمة، ويغذي الاقتتال، حتى ينشغل الناس ببعضهم وينسون ما ينهب من تحت أقدامهم. وحين تخرج الثروات من الغاز والنفط والمعادن إلى الخارج لن يعود على أبناء حضرموت والجنوب سوى الفتات.. لا خدمات، لا أمن، لا كرامة، ولا مستقبل.. من هنا تصبح المسؤولية التاريخية مضاعفة، وعلى أبناء حضرموت والجنوب أن يدركوا أن ما يطرح اليوم ليس خلاصا، بل فخ.. وليس دولة، بل حامية.. وليس استقلالا، بل شكل جديد من العبودية الاقتصادية والسياسية.
الحل لا يكمن في استبدال مركز بهامش ولا في نقل الوصاية من طرف إلى آخر، ولا في الانخراط في مشاريع التجزئة التي تخدم الخارج وتدمر الداخل.
المخارج الحقيقية تبدأ من الوعي بالمخطط ورفض بيع الأرض والثروة واستعادة القرار الوطني المستقل، والتوحد تحت راية الوطن لا رايات المشاريع، وبناء مشروع وطني جامع يحفظ الحقوق ويصون السيادة ويمنع تحويل الجنوب إلى غنيمة.
الجنوب لا يحتاج أوصياء دوليين ولا حمايات أجنبية ولا خرائط مستوردة، يحتاج وعيا ووحدة وإرادة حرة، فالخارج لا يرى فينا إلا مصالحه، ومن يراهن عليه اليوم سيدفع الثمن غداً، أرضا بلا سيادة، وثروة بلا شعب، وشعب بلا وطن.

أترك تعليقاً

التعليقات