دمشق - خاص / لا ميديا -
يتراوح الوضع في سورية اليوم، بين تجديد المهلة المعطاة لحكومة الجولاني، لتلبية الطلبات التي قدمتها واشنطن وبروكسل لتنفيذها، كشروط لتعويم سلطته، والترقب بانتظار جلاء الصورة، التي يتم تظهيرها، حسب الكيفية التي سينتهي بها العدوان الأمريكي -»الإسرائيلي» على إيران.
النظرة الأمريكية تجاه سورية اليوم، حددها قائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال براد كوبر، بأنها «شكلت تحولا كبيرا في المشهد الإقليمي» وأن المنطقة بحسب كوبر «تمر بلحظة مفصلية، قد تعيد تشكيل الشرق الأوسط، نحو نموذج قائم على التجارة والاستقرار، بدلا من الفوضى»، وأن العلاقة بين دمشق وواشنطن، قائمة على «تعاون براغماتي في وجه التهديد».
أوروبيا، قرر الاتحاد الأوروبي، تفعيل الإطار الجديد للتعاون الذي أعلنته رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، في بداية العام الجاري، والذي يركز على شراكة سياسية، ودعم جهود التعافي الاجتماعي والاقتصادي، في سوريا الجديدة.
القرار يتزامن مع تحركات أوروبية لرفع العقوبات الاقتصادية بشكل كامل عن سوريا، واستئناف اتفاقية التعاون لعام 1978، وهو ما تم إبلاغه للجولاني خلال قمة نيقوسيا قبل أيام، حيث أعلن الاتحاد الأوروبي رسمياً، إنهاء تعليق «اتفاقية التعاون» التجارية والاقتصادية مع سوريا، ورفع كافة العقوبات الاقتصادية عن قطاعات النفط والغاز والكهرباء لدعم التعافي العاجل.
كما أقر حزمة مساعدات مالية بقيمة 620 مليون يورو لدعم البنية التحتية والخدمات الأساسية، وبدء تسيير الرحلات التجارية، والتبادل التجاري مع دول الاتحاد الأوروبي.
كما أعلن سكرتير المفوضة الأوروبية «دوبرافكا شويسا» بأنه تم الاتفاق على عودة البعثات الدبلوماسية الأوروبية إلى دمشق تدريجياً، بدءاً من الشهر القادم، وإلغاء كافة الرسوم الجمركية على المنتجات الزراعية والصناعية السورية المصدرة إلى أوروبا، وإنشاء صندوق وطني لإعادة الإعمار، تحت رقابة دولية لضمان الشفافية ومحاربة الفساد.
القرارات لم تتضمن فقط ما اتخذه الاتحاد الأوروبي، وإنما جدد الشروط المطلوبة من السلطات السورية، وأهمها صياغة «دستور مدني» شامل يضمن التعددية والحقوق والحريات، والاتفاق على جدول زمني، لإطلاق سراح كافة معتقلي الرأي والسياسيين، وتشكيل لجان دولية ومحلية مشتركة، لفتح الأرشيف الأمني، والكشف عن مصير المفقودين، والمغيبين قسرياً، وتعويض عائلات الضحايا.
أما حكومة الجولاني فترى بأن تداعيات حرب الخليج وأزمة مضيق هرمز تمنحها فرصة إضافية وأداة تستخدمها أمام الأمريكيين والأوروبيين لتعزيز موقفها، ومحاولة الخروج من حالة الضغوط بتأكيد أهمية دور وموقع سورية، للمساعدة في فتح مضيق هرمز، وإيجاد بدائل عن المضيق، عبر الموانئ السورية، حيث أعلنت دمشق عن خطط ومبادرات، تركز على سوريا وجعلها ممراً استراتيجياً، يربط خطوط إمدادات الطاقة والغذاء، بين الدول العربية الخليجية، ثم تركيا، وصولاً إلى أوروبا، الأمر الذي يجعل الاتحاد الأوروبي، يركز على تطوير علاقاته وتعميقها مع سوريا، كونها المرشحة لتكون شريانه الجديد، للنفط الخليجي والعراقي.
يتضح من خلال هذه التقارير، بأن حكومة الجولاني، مُنحت فرصة إضافية، لتنفيذ ما هو مطلوب منها، لكن تقارير أمريكية وأممية، نشرت قبل أيام، تقول بأن نقاشات إدارة ترامب والكونغرس، تؤكد بأن سلطة الجولاني، لم تنفذ أيا من الطلبات والشروط التي طلبتها واشنطن، وخاصة حول تشكيل حكومة موسعة، وحماية الأقليات، وطرد المقاتلين الأجانب، وتطبيق الاتفاق مع قوات سورية الديمقراطية «قسد» الذي تم توقيعه لحل أزمة منطقة شرق الفرات، وهو نفس الرأي الموجود عند الاتحاد الأوروبي، لكن ضبابية الوضع في الخليج، ومضيق هرمز، تؤجل فتح صفحة الحساب، وهو ما يمنح حكومة دمشق، بعض الوقت، بانتظار جلاء الصورة، لكن هذا لا يمنح سلطة الجولاني صك براءة، ويبقي سيف المطالب مسلطا فوق رأس حكومتها، لتكون كأداة ضغط، لانتزاع كامل الشروط المطلوبة.
وفي واشنطن، كشف ناشطون سوريون، معلومات عن هيئة خاصة في الكونغرس الأمريكي، ستشكل قبل شهر آب المقبل، مهمتها إعطاء الأقليات حقوقها القانونية، وهذا يتجاوز الحدود السورية، وتحديداً باتجاه تركيا، وهذا قد يؤدي إلى تغير الخرائط الجغرافية في المنطقة.
هذا يؤكد أن الموقف الأمريكي والأوروبي، والتمديد لفترة ستة أشهر جديدة، لا يعني تعويم سلطة الجولاني، أو دعمها على بياض، ولا التنازل عن المطالب، التي طلبتها منها، وإنما هو محاولة لاحتواء السلطة، والتواجد في المناخ السوري المتغير، وضبط الأداء قدر الإمكان، تحسبا لأي تغير في المشهد الجيوسياسي المعقد في المنطقة، مع توقعات بأن هذا السكون في المشهد السوري، لن يستمر بانتظار جلاء الصورة.
وتؤكد المعلومات بأن هذه المهلة الجديدة، ستكون تمديدا تقنيا تعطي سلطات الجولاني وقتاً إضافياً، لاستكمال مهمة التخلص من المقاتلين الأجانب، والمتطرفين في السلطة، وهذه المهلة يحتاجها ترامب، لضمان إتمام الصفقات الأمنية والاقتصادية الهامة، وتوقيع اتفاقيات أمنية، تضمن مصالح الشركات الدولية التي تزور سورية هذه الأيام للاستطلاع.
كما ستكون مهلة لتشكيل حكومة تكنوقراطية، خالية من الأسماء المتهمة بالإرهاب، ومقبولة ائتمانياً، لدى البنوك الدولية، لإدارة المليارات، والمشاريع المطروحة، بانتظار انتهاء ترتيبات لوجستية، في العواصم الإقليمية، لانطلاق الشركات، لتنفيذ المشاريع الحيوية المقترحة، ومنها مد سكة حديد الحجاز فائقة السرعة نحو الشام والنقب.
هي فترة جديدة أملتها ظروف العدوان الأمريكي -»الإسرائيلي» على إيران، والفشل في تحقيق الأهداف التي وضعت للعدوان، وهو ما وضع الأمريكيين و»الإسرائيليين» في موقف صعب، لا يستطيعون فيه تحقيق الأهداف، ولا يستطيعون الاتفاق على وقف الحرب، بدون تلبية معظم الشروط الإيرانية، ليبقى فقط محاولة بذل الجهود، للتوصل إلى (أي اتفاق) والانطلاق في بروباغندا إعلامية واسعة، يدعي فيها ترامب الانتصار.
كما تتوافق هذه الفترة، لتوضيح النتائج العملية للقمة الأمريكية الصينية، وترجمتها على الأرض، حيث أجمعت التقارير على أن القمة أظهرت قوة موقف الصين، وأن الوقت يسير لصالحها، وهو ما ظهر بوضوح، من خلال الطريقة التي تعامل فيها الرئيس الصيني، شي جين بينغ مع الرئيس ترامب، والتي تدل على الثقة والقوة، ولم يبق أمام ترامب، سوى أن يقول بأن ما يتم الحديث عنه حول ضعف الموقف الأمريكي خلال القمة، يتعلق بفترة الرئيس جو بايدن، وليس في فترة إدارته.
وإذا أردت أن تعرف ماذا في دمشق، فيجب أن تعرف ماذا في واشنطن وبكين وبروكسل ولندن وباريس وموسكو.